فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 1370

«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» ، وفي رواية له: «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه» «1» ، كما نرجوه تعالى أن يوفقنا للعمل بما علمنا من كتابه، والتخلق بما فيه من المكارم، والتأديب بآدابه، وأن يعلمنا ما جهلنا، ويذكرنا ما نسينا منه، وأن يرزقنا إخلاص النية في جميع الأعمال، وأن يحفظنا بفضله ورحمته من فساد القصد في الأعمال إنه رحيم كريم.

اعلم وفقني اللّه وإياك لما يحبه ويرضاه، أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب اشتراك، سواء كان الاشتراك في اسم أو فعل أو حرف، ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في اسم قوله تعالى: (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228] لأن القرء مشترك بين الطهر والحيض، وقد أشار تعالى إلى أن المراد بأقراء العدة الأطهار بقوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) [الطلاق: 1] فاللام للتوقيت ووقت الطلاق المأمور به فيه في الآية الطهر لا الحيض، وتدل له قرينة زيادة التاء في قوله: (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار، فلو أراد الحيضات لقال ثلاث قروء بلا هاء، لأن العرب تقول: ثلاثة أطهار وثلاث حيضات.

وسترى بعض الكلام على هذه المسألة في هذه الترجمة، وتحقيق المقام فيها بأدلته في سورة البقرة إن شاء اللّه تعالى.

ومن أمثلة الاشتراك في اسم قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 29] فإن العتيق يطلق بالاشتراك على القديم، وعلى المعتق من الجبابرة، وعلى الكريم، وكلها قيل به في الآية وتصريح اللّه بأنه أقدم البيوت التي وضعت للناس في قوله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا) [آل عمران: 96] الآية، يدل للأول ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في فعل قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ) [التكوير: 17] فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره، وقد جاءت آية تؤيد أن معناه في الآية أدبر وهي قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ(33) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (34) [المدثر: 33 - 34] فكون عسعس في الآية بمعنى أدبر يطابق معنى آية المدثر هذه كما ترى، ولكن الغالب في القرآن أنه تعالى يقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كقوله: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى(1) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (2) [الليل: 1 - 2] وقوله: (وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها(3) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) [الشمس: 3 - 4] وقوله: (وَالضُّحى(1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) [الضحى: 1 - 2] إلى غير ذلك من الآيات، والحمل على الغالب أولى وهذا هو اختيار ابن كثير وهو الظاهر خلافا لابن جرير.

وسترى إيضاح هذا المبحث إن شاء اللّه في سورة التكوير، ومن أمثلة الاشتراك في فعل قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1) [الأنعام: 1] فإنه مشترك بين قولهم عدل به غيره إذا سوّاه به، ومنه قول جرير:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري في فضائل القرآن حديث 5027 و 5028.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت