أثعلبة الفوارس أم رياحا ... عدلت بهم طهيه والحسابا
أي سويتهم بهم، وبين قولهم عدل بمعنى مال وصدّ. ويدلّ للأول قوله تعالى: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) [الشعراء: 97 - 98] وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) [البقرة: 165] الآية.
ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في حرف قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) [البقرة: 7] فإن الواو في قوله: (وَعَلى سَمْعِهِمْ) وقوله: (وَعَلى أَبْصارِهِمْ محتملة للعطف على ما قبلها وللاستئناف، ولكنه تعالى بين في سورة الجاثية أن قوله هنا: وَعَلى سَمْعِهِمْ) [البقرة: 7] معطوف عَلى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: 7] ، وأن قوله: (وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) [البقرة: 7] جملة مستأنفة مبتدأ وخبر، فيكون الختم على القلوب والأسماع والغشاوة على خصوص الأبصار، والآية التي بين بها ذلك هي قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) [الجاثية: 23] وسترى في سورة البقرة الجواب عن آية النحل إن شاء اللّه تعالى.
ومن أمثلة الاشتراك في حرف أيضا الاشتراك في الواو من قوله: (اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [آل عمران: 7] ، فإنها محتملة للعطف، فيكون الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ومحتملة للاستئناف، فيكون اللّه تعالى مستأثرا بعلمه دون خلقه. وفي الآية قرائن ترجح أنها للاستئناف أوضحها ابن قدامة في روضة الناظر قال: (وفي الآية قرائن تدل على أن اللّه سبحانه وتعالى منفرد بعلم تأويل المتشابه وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى:(وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران: 7] لفظا ومعنى، أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال: (ويقولون آمنا به، بالواو، وأما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلوما لكان مبتغيه ممدوحا لا مذموما، ولأن قولهم: آمنا يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه إلى آخره.
وسترى تمامه وتفصيله إن شاء اللّه في سورة آل عمران.
ومن أمثلة الاشتراك في حرف قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: 6] فإن لفظة «من» مشتركة بين التبعيض وابتداء الغاية، وقد قال الشافعي وأحمد- رحمهما اللّه- هي في هذه الآية الكريمة للتبعيض، فاشترطا صعيدا له غبار يعلق باليد، وقال مالك وأبو حنيفة- رحمهما اللّه- هي لابتداء الغاية فلم يشترطا ما له غبار، بل أجازا التيمم على الرمل والحجارة وقولهما أنسب، لأن قوله تعالى بعده: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) [المائدة: 6] نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة «من» لتوكيد العموم، والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص صريح في شمول النفي لجميع أفراد الجنس والتكليف بخصوص ما له غبار لا يخلو من حرج، لأن كثيرا من بلاد اللّه لا يوجد