-وأن الاستشراق قد استشرى ونال رعاية الكنيسة ومباركتها عندما ثبت فشل الحروب العسكرية من خلال انحسار المد الغربي الصليبي بعد جهود قرنين من الزمان ، فاتجهت الكنيسة الغربية إلى التنصير من خلال الفكر والثقافة والعلم ، فكان التوجه إلى ما نسميه اليوم بالغزو الفكري في تحقيق ما فشل فيه سلاح الغزو الحربي (1) . هذا الغزو الذي اتخذ من الاستشراق منطلقا له ، سعى من خلاله إلى تشويه الإسلام بطرق شتى ، لا تتعدى كونها جملة من الإسقاطات التي نالت حظا طيبا من النقاش والرد ، في زمان إطلاقها وبعده ، من كثير من المسلمين (2) .
وكان الهدف من هذه الدعوة هو أن تؤتي محاولات التنصير ثمارها بنجاح من خلال تعلم لغات المسلمين (3) ، وقد عبر عن هذه الثمار في دعوة"لول"بارتداد العرب إلى النصرانية من الإسلام ، كما كان"غريغوري العاشر"يأمل في ارتداد المغول إلى النصرانية ، وقبله كان"الإخوة الفرنسيسكان"قد توغلوا في أعماق آسيا يدفعهم حماسهم التنصيري ، ومع أن آمالهم لم تتحقق في وقتها إلا أن الروح التنصيرية قد تنامت منذئذ (4) .
(1) سعيد عبد الفتاح عاشور: بحوث في تاريخ الإسلام وحضارته - مرجع سابق - ص 12 .
(2) انظر مثلا: شوقي أبو خليل: أضواء على مواقف المستشرقين والمبشرين - طرابلس: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، 1991 م - 264 ص ، ففيه حوالي عشرين إسقاطا تولى المؤلف مناقشتها والرد عليها .
(3) محمود حمدي زقزوق: « الإسلام والاستشراق » - في: الإسلام والاستشراق - تأليف نخبة من العلماء المسلمين - جدة: عالم المعرفة ، 1405 هـ - 1985 م - ص 71 - 102 .
(4) إدوارد سعيد: الاستشراق - مرجع سابق - ص 328 .