والتنصير في حقيقته هو الامتداد الحقيقي للحروب الصليبية ، فلئن كانت الحروب الصليبية حروبا وحملات عسكرية ، فإن التنصير حملات صليبية سلمية تستهدف الغرض نفسه . يؤكد ذلك ما صرح به مخططو العمل التنصيري فقد أخبر المؤرخ جان دي جوانفيل - الذي رافق الملك لويس التاسع عشر ملك فرنسا في حملته الصليبية السابعة - عن ما انتهى إليه لويس التاسع عشر في خلوته في معتقله بالمنصورة التي أتاحت له فرصة هادئة ليفكر بعمق في السياسة التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء المسلمين ، وقد انتهى به التفكير إلى ما أفضى به إلى أعوانه المخلصين أثناء رحلته إلى عكا متوجها إليها من دمياط حيث قال: إنه لم يعد في وسع الكنيسة أو فرنسا مواجهة الإسلام ، وإن هذا العبء لا بد أن تقوم به أوربا كلها لتضييق الخناق على الإسلام ثم تقضي عليه ، ويتم لها التخلص من الحائل الذي يحول دون تملكها لآسيا وأفريقيا (1) ، ويقدر رينيه جروسيه أحد المؤرخين النصارى هذا التوجه الاستراتيجي للملك لويس التاسع بقوله: ( إن الملك لويس التاسع كان بذلك في مقدمة كبار ساسة الغرب الذين وضعوا للغرب الخطوط الرئيسة لسياسة شملت مستقبل أسيا وأفريقيا بأسرهما ) (2) وكان من ضمن ما
(1) حقيقة التبشير ، ص: 153.
(2) المصدر السابق، ص: 153.