فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 415

125 - ( {وَمَا أُوتِيتُمْ} ) : الخطابُ عامٌّ، وقيل: خطابٌ للْيَهُودِ خَاصَّةً، وَ ( {إِلَّا قَلِيلًا} ) : اسْتثْنَاءٌ من {العِلْمِ} ، أي: إلَّا [علمًا] قليلًا، أو مِن الإيتاءِ؛ أي: إِلَّا إيتَاءً قَلِيلًا، أو مِن الضميرِ، أي: إلَّا قَلِيلًا [منكم] ، وقرأَ الأَعْمَش وعبدُ اللهِ: {وَمَا أُوتُوا} .

(عَبْدُ الْوَاحِدِ) : هو ابنُ زيادٍ العَبديِّ، و (الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ) : ابْنُ مِهْرَان، و (إِبْرَاهِيمَ) : ابنُ يزيدَ النَّخَعِيِّ، و (عَلْقَمَةَ) : ابنُ قيسٍ، و (عَبْدِ اللهِ) : ابنُ مسعودٍ الهُذَلِيُّ.

(خَرَِبِ) : بالخاءِ المُعجمةِ المكسورةِ وفتحِ الراءِ _وعَكسهِ _ والموحَّدةِ في آخرِه، كذا رواهُ هُنا، ورواهُ في غيرِ هذا الموضعِ بالمهملةِ والمثلَّثةِ آخرهِ [خ¦4721] ، وكذا رواهُ «مُسلِمٌ» في جميعِ طُرقه، وصوَّبهُ بعضُهم.

(عَسِيبٍ) : عُودُ قُضْبانِ النخلِ، يكشِطونَ خَوصَها ويتَّخذونَها عِصِيًّا.

(الرُّوحُ) : اختلفَ المفسِّرونَ في الرُّوحِ المسؤولِ عنها؛ فقيل: عِيسى، أو مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ يقومُ صفًّا وتقومُ الملائكةُ صفًّا، أو جبريلُ، أو القرآنُ، أو خلقٌ كخلقِ بني آدمَ ليسوا ببني آدمَ لهم أَيْدٍ وأرجلٌ، وقيل: طائفةٌ من الخلقِ لا ينزلُ ملَكٌ إلى الأرضِ إلَّا نزلَ معهُ أحدُهم، وقيل: مَلَكٌ له أحدَ عشرَ ألفَ جناحٍ وألفُ وجهٍ يسبِّحُ اللهَ إلى يوم القيامة، وقيل: عَلِمَ اللهَ أنَّ الأصلحَ لهم ألَّا يُخْبِرَهُم مَا هُوَ؛ لأنَّ اليهودَ قالوا: إنْ فسَّر الروحَ فليس بنبيٍّ، وهذا معنى قوله (لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ) ، فقد جاءَهم ذلك؛ لأنَّ عندهم في التوراةِ _ كما ذَكَرَ لهم_ أنَّه من أمرِ اللهِ لن يطَّلعَ عليه أحدٌ.

واختُلفَ هل الروحُ والنَّفسُ واحدٌ أم لا؟ وروحُ ابنِ آدمَ الكلامُ عليه ممَّا يَدِقُّ، وقال الأشعريُّ: إنَّه النَّفَسُ الداخلُ والخارجُ، وقال القاضِي أبو بَكْرٍ: هو متردِّدٌ بين مَا قالَه الأشعريُّ وبين الحياةِ، وقيل: جسمٌ مشابكٌ للأجسامِ الظاهرةِ والأعضاءِ الظاهرةِ، وقيل: جسمٌ لطيفٌ خلقهُ اللهُ تعالى وأجرى العادةَ بأنَّ الحياةَ لا تكون مَع فَقْدِهِ، فإذا شاءَ اللهُ موتَه؛ أعدمَ هذا الجسمَ منه عند إعدامِ الحياةِ، وهذا الجسمُ وإنْ كان حيًّا فلا يحيَا إلا بحياةٍ تختصُّ به، وهو مَا يصحُّ عليه البلوغُ إلى جسمٍ ما مِن الجسمِ، وبكونهِ في مكانٍ في العالم، أو في حَوَاصلِ طَيرٍ خُضْرٍ إلى غير ذلك مما وقعَ في الظواهرَ، [ويصحُّ في العقل صرفُ ما أشرنا إليه من الظواهر] إلى غيرهِ مِن جوَاهرِ القلبِ، والجسم الحيَّة، وقيل: إنَّه الدَّمُ، وذكرَ بعضُهم فيه سبعينَ قَولًا.

ص 131

ورأيتُ في كلامِ الصلاحِ الصَّفَدِيِّ مَا لفظهُ: (أربابُ العقولِ اختلفُوا في حقيقةِ النَّفْسِ ما هي اختلافًا كثيرًا إلى الغايةِ:

أما الحكماءُ؛ فقالوا: النَّفْسُ عبارةٌ عن هذهِ الأجزاءِ الناريَّة الساريَةِ في هذا الهَيكلِ؛ لأنَّ النارَ خاصِّيَّتُها الإشراقُ والحركة؛ ولهذا قالَ الأطباءُ: إنَّ مُدبِّرَ الجسدِ هو الحارُّ الغَريزيُّ، وهذا رأيُ أفلوطرخُوس ومَن تابَعه.

ومنهم مَن قال: هو عبارةٌ عن هذا الهواء؛ لأنَّه متى كان النَّفَسُ مترَدِّدًا كانتِ الحياةُ باقيةً، فالنَّفْسُ هو الهواءُ المستنشَقُ المتردِّدُ في مخارِقِ البَدنِ، ولأنَّه لا لونَ له ويدخلُ في المَنَافِسِ الضيِّقَة، وهذا رأي دِيوخَاس ومَن تابعه.

ومنهم مَن قال: النَّفْسُ عبارةٌ عن مجموعِ الأخلاطِ الأربعةِ، بشرطِ أن يكونَ كلُّ واحدٍ له قَدْرٌ معيَّن؛ لأنَّ ما دامت هذه الأخلاطُ باقيةً على كمِّيَّاتها المخصوصةِ وكيفيَّاتها المخصوصةِ؛ فالحياةُ باقيةٌ، وهذا ضعيفٌ أيضًا؛ لأنَّه لم يثبت العلمُ لنا بمجرَّد الدَّوْرِ.

ومنهم مَن قال: النَّفْسُ عبارةٌ عن الدَّمِ؛ لأنَّه أشرفُ أخلاطِ البدنِ، ومتى نزفَ الدمُ وفَنِيَ من الجسدِ؛ فارقتِ الحياة، وهذا رأي جالينُوس ومَن تابعه من الأطباءِ، فوافقُوا الفقهاءَ وأهلَ اللغةِ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ الجسدَ يعرضُ له عدمُ الحياة والدمُ فيه، ولأنَّه كان ينبغي أن تزيدَ النَّفْسُ بزيادةِ الدمِ في البدنِ وأن تقوَى معلوماتُها وإدراكَاتُها، وتضعُفَ بقلَّتهِ في الجسدِ، والقضيَّةُ بالعكسِ، فإنَّ الصائمَ والضعيفَ يقوَى إدراكُهُ.

ومنهم مَن قال: إنَّ العناصرَ المركَّبةِ مختلفةٌ في مَاهِيَّاتِها، واللطيفُ منها لا ينقلبُ كثيفًا وبالعكسِ، وكذا القولُ في الرَّطْبِ واليَابسِ، والحارِّ والباردِ، فثبتَ أنَّ النَّفْسَ أجسامٌ لطيفةٌ لذواتِها، حيَّةٌ لذواتِها، وتلك الأجسامُ إذا شابَكت هذا الهَيكلَ المحسُوسَ وسَرَت فيه سَرَيانَ ماءِ الوردِ في الوَردِ والدُّهنِ في السِّمْسمِ؛ صارَ هذا الهيكلُ حيًّا بتلكَ المشابكةِ والذوَبانِ والانحلالُ لا مَا يتطرَّقُ إلى هذا الهيكلِ دون تلكَ الأجسامِ اللطيفةِ الحيَّة، والأخلاطُ فيها قابليَّةٌ لتلكَ الأجزاءِ، فمتى ذهبت القابليَّةُ من الأعضاءِ والأخلاطِ؛ انفصلت تلكَ الأجزاءُ اللطيفةُ الحيَّة، وذلك هو المَوْت، وهذا القولُ مُشْكِلٌ؛ لأنَّه يلزمُ مِن هذا أنَّه إذا قُطِعت أطرافُ الإنسانِ؛ إمَّا أن يذهبَ كلُّ طرَفٍ بما فيهِ مِن النَّفْسِ، وهو باطلٌ؛ لأنَّه يُوجبُ ضعفَ النَّفْسِ في تدبيرِ البدنِ وضعفَ الإدراكِ والعلمِ، وإمَّا أن تتداخلَ تلك الأجسامُ في الجسدِ الذي بقيَ ويقوَى تدبيرُ النَّفْسِ للبدنِ في الحركةِ وقوَّةِ الإدراكِ؛ لأنَّ تلك الأجزاءَ تقلَّصت واجتمعت في هذا الباقي، وهذا فيهِ قولٌ بتداخلِ الأجسام، وهو مُحالٌ.

ومنهم مَن قال: النَّفْسُ عبارةٌ عن تلكَ الأجسامِ اللطيفةِ المُتَكوِّنةِ في البُطَينِ الأيسَرِ مِن القلبِ، النافذةِ في الشَّرايِينِ، الناشِئةِ منهُ إلى كلِّ أجزاءِ البدنِ.

ومنهم مَن قال: النَّفْسُ عبارةٌ عن الأرواحِ المتكوِّنَةِ في الدماغ، الصالحةِ لقبولِ قوَّةِ الحسِّ والحركةِ والحفظِ والفكرِ والذكرِ،

ص 132

النافذةِ من الدماغِ في شظايا الأعصابِ، الناشئةِ منه إلى أقاصي البدنِ.

ومنهم مَن قال: أجزاءُ هذا البدَن على قسمَين: بعضُها أجزاءٌ أصليَّةٌ باقيةٌ مِن أوَّل العُمر إلى آخرهِ مِن غيرِ أنْ يتطرَّق إليها شيءٌ مِنَ التغييرَاتِ والانحلالِ والزيادةِ والنُّقصَانِ، وبعضُها أجزاءٌ عارضةٌ تَبَعيَّةٌ تارةً تزدادُ وتارةً تنقُصُ، فالنَّفْسُ والشيءُ الذي يُشير إليه كُلُّ أحَدٍ بقولهِ: «أنَا» : هو القسمُ الأوَّل، قال الإمام فخرُ الدينِ: «وهذا القولُ اختيارُ المحقِّقِينَ مِن المُتَكَلِّمينَ» ، وبهذا القول ظهرَ الجوابُ عن أكثرِ شبهاتِ مُنكراتِ البَعثِ والنُّشُورِ، انتهى.

وقال بعضُ المحقِّقين: النُّفُوسُ جواهرُ روحانيَّةٌ، ليست بجسمٍ ولا جِسمَانيَّةٍ، لا داخلَ البدنِ ولا خارجةً عنه، لا متَّصلة به ولا منفصلة عنه، لها تعلُّقٌ بالأجسادِ يشبهُ تعلُّقَ العاشقِ بالمعشوقِ، وهذا القولُ ذهبَ إليه الغَزاليُّ في بعضِ كُتبه، ونُقِلَ عن عَلِيٍّ رضي الله عنه أنَّه قال: الروحُ في الجسدِ كالمعنَى في اللَّفظِ، وما رأيتُ للنفسِ مثالًا أحسنَ مِن هَذا.

يُقالُ: (إنَّه سُئِلَ بعضُ المتكلِّمين عن الرُّوحِ والنَّفْسِ، فقال: الروحُ هو الرِّيحُ، والنَّفْسُ هي النَّفَسُ، فقال له السائلُ: فعلى هذا إذا تنفَّسَ الإنسانُ خرجت نَفْسُهُ، وإذا ضرطَ خرجَ روحهُ، فانقلبَ المجلسُ ضَحِكًا) ، انتهى [كلام] الصلاحِ الصفَدِيِّ.

إشارةٌ: قولُه: {وَمَا أُوتُوا} كذا جاء في هذه الروايةِ، وبيَّنه البخاريُّ بقولِ الأعمشِ: (كَذَا فِي قِرَاءَتِنَا) ، وكذا هوَ في أكثرِ نُسخِ «البُخَاريِّ» و «مُسْلِمٍ» ، وذكرَ مُسْلِمٌ الاختلافَ في هذه اللفظةِ عن الأعمشِ، فرواهُ وَكيعٌ على القراءةِ المشهورةِ، ورواهُ عيسى بنُ يُونسَ عنه: {وَمَا أُوتُوا} ، واختلف المُحدِّثون فيما وقع مِن ذلك؛ فذهبَ بعضُهم إلى إصلاحِه على الصوابِ؛ لأنَّه إنَّما قَصَدَ به الاستدلالَ على ما سِيقَ بسببهِ، ولا حجَّةَ إلَّا في الثابتِ في المُصحفِ، وقال قومٌ: تُتْرَكُ على حالِها ويُنَبَّهُ عليها؛ لأنَّ مِنَ البعيدِ خفاءَ ذلك على المؤلِّف ومَن نقلَ عنه وهلمَّ جرًّا، فلعلَّها قُرِئَت شاذَّةً، ووهَّاهُ عِيَاضٌ، نعم؛ لا يُحتجُّ به في حُكمٍ ولا يُقرأُ به في صَلاةٍ.

قال: واختلَف أصحابُ الأُصولِ فيما نُقِلَ آحادًا _ومنه القراءةُ الشاذَّةُ كمصحفِ ابنِ مسعودٍ وغيرِه_ هل هو حُجَّةٌ أمْ لا؟ فنَفَاهُ الشافعيُّ، وأثبتَه أبو حنيفَة وبنَى عليه وجوبَ التتابُعِ في كفَّارَةِ اليميِن؛ كما نُقِلَ عن مصحفِ ابنِ مَسْعُودٍ مِن قراءةِ: {ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ} [البقرة:196] ، وبقولِ الشافعيِّ قالَ الجمهورُ، واستدلُّوا له بأنَّ الراويَ له إنْ ذكرَهُ على أنَّه قرآنٌ؛ فخطَأٌ، وإلَّا؛ فهوَ متردِّدٌ بين أن يكونَ خبرًا أو مَذهبًا له، فلا يكون حجَّةً بالاحتمالِ ولا خَبرًا؛ لأنَّ الخبرَ مَا صرَّح به الراوي فيه بالتحديثِ، فيُحملُ على أنَّه مذهبٌ له، وقال أبُو حَنيفةَ: إذا لم يَثْبت كونُه قرآنًا؛ فلا أقلَّ مِن أن يكونَ خبرًا، وجوابُه: أنَّ الراويَ لم يأتِ بها على وجهِ الخبِر، انتهى كلامُ ابنِ المُلَقِّنِ.

وأمَّا الإِسْنَوِيُّ؛ فنقلَ احتجاجَ الشافعيِّ بالقراءةِ الشاذَّةِ في ثلاثةِ أماكنَ من «الأُمِّ» ، وكذا ذكرَ عن غيرهِ من أساطينِ مذهبهِ، ونَقَلَ عن الإمامِ أنَّه نَقلَ أنَّ الشافعيَّ لا يَحتجُّ بها، وغَلِطَ، انتهى.

واعلم أنَّ القراءةَ بالشواذِّ إن لم يكن فيها تغييرُ معنًى ولا زيادةُ حرفٍ ولا نقصانُه؛ فتجوزُ، ولا تُبطلُ الصلاةَ؛ كاللَّحنِ الذي لا يُغَيِّرُ المعنى، وإنْ كان فيها

ص 133

زيادةُ حرفٍ أو تغييرُ معنًى؛ امتَنعَ، وتبطلُ الصلاة إذا تعمَّد، وإن كانَ ساهيًا؛ سجدَ للسَّهْوِ، وإن لم يغيِّر المعنى ولم يَزد في الكلامِ؛ لم تبطلْ، وقال في «شرحِ المُهذَّبِ» : (إنَّه لا تجوزُ لا في صلاةٍ ولا في غيرِها) ، وقال في «الرَّوضَةِ» : (وَتَصِحُّ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغْيِيرُ مَعْنًى، وَلَا زِيَادَةُ حَرْفٍ، وَلَا نُقْصَانُهُ) ، وحكَى البغويُّ الاتِّفاقَ على جوازِ القراءةِ بما قرأَ يعقوبُ وأبُو جَعفَر؛ لاستفاضَتِهَا، وصوَّبه السُّبْكِيُّ واختارَه، وفي «فتاوَى الجَزرِيِّ» : إنَّ القراءةَ بالشواذِّ جائزةٌ مُطلَقًا إلَّا في الفَاتحةِ للمُصلِّي، ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على أنَّه لا يجوزُ القراءةُ بالشاذِّ، ولا الصلَاةُ خلفَ مَن يقرأُ بها، وقال العِجليُّ: (يُكرهُ القراءةُ بهَا، وتُجزئُ الصلاةُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت