فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 415

172 -173 - ثم شرع البخاري في ذكر الأحاديث التي نحا بها إلى طهارة الكلب وطهارة سؤره، فقال:

(عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) : عبد الله بن ذكوان، و (الأَعْرَجِ) : عبد الرحمن بن هرمز، و (أبو هريرة) : عبد الرحمن بن صخر، تقدَّم، وكان يكره تصغيره ويقول: (كنَّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هرٍّ) ، ذكره ابن عساكر، وقال ابن إسحاق وأبو عمر: إنَّه عليه السلام كنَّاه بأبي هريرة كذا قالاه بالتصغير، وكان يتنقَّل في الأحياء يغيِّر اسمه؛ أي: لأنَّه كان عليه دم، فكان إذا نزل على قبيلة غيَّر اسمه؛ لئلَّا يفطن به، فيؤخذ بمن قتله، فهذا سبب كثرة أسمائه في الجاهلية، وخرج ابن جهضم أنَّه عليه السلام قال: «لكل نبيٍّ حليم، وحليم هذه الأمَّة أبو هريرة» ، قال ابن الملقن: وفي «الطبقات» : دعا له النبي عليه السلام أن يحبَّب إلى كلِّ مؤمن ومؤمنة، انتهى

وفي «مسلم» في حديث إسلام أمِّه؛ وهي: أميمة بن صبيح: قلت: يا رسول الله، ادع الله يحبِّبني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحبِّبهم إلينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ حبِّب عُبَيدك هذا _يعني: أبا هريرة_ وأمَّه إلى عبادك المؤمنين، وحبِّب إليهما المؤمنين» ، فما خلق مؤمن يَسْمع بي ولا يراني إلا أحبَّني، ودفن بالبقيع، وأمَّا ما اشتهر من أنَّ قبره بالقرب من عسقلان، وعقد عليه الأشرف بن المنصور قبَّة، وقيل: بالعقيق؛ فليس بصحيح، وذلك قبر حَيْدرة بن خيشنة نصَّ عليه ابن حبان.

وطريق مالك هذه أخرجها أبو داود في رواية ابن العبد، والنسائي، وابن ماجه، وأخرجها مسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة أيضًا، وأخرجها مسلم من حديث الأعمش عن أبي زرين وأبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: (إذا ولغ) بدل: (شرب) ، وتقدم حديث «مسلم» أيضًا: «طهور إناء أحدكم» ، وأخرجها أبو داود، والنسائي، وكذا الترمذي وقال: «أولاهنَّ أو أخراهنَّ بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة؛ غسل مرة» ، ثمَّ قال: (حديث حسن صحيح)

ص 176

قال أبو داود: (ذكر الهرِّ موقوفة) ، وقال البيهقي: (مدرج) .

(شَرِبَ) : قال ابن عبد البر: كذا قال مالك في هذا الحديث: (شرب) ؛ أي: على خلاف عنه، وغيره من الرواة تقول: (ولغ) ، وهو الذي يعرفه أهل اللغة، وكذا استغرب هذه اللفظة الإسماعيلي وابن منده، ولم ينفرد بها مالك، بل توبع عليها، وهو أيضًا أخصُّ من الولوغ؛ إذ كلُّ كلب إذا شرب؛ فهو والغ، ولا عكس.

(فَلْيَغْسِلْهُ) : ظاهر الأمر بالغسل التنجيس، وتؤيِّده الرواية السالفة، ويحمله مالك على التعبُّد؛ لاعتقاد طهارة الماء والإناء، وربَّما رجَّحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السبع؛ لأنَّه لو كان للنجاسة؛ لاكتفى بما دون السبع، فإنَّه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، وقد اكتفي بها بما دون السبع، وقد أمر بغسل الطاهر مرارًا؛ لمعنًى كما في أعضاء الوضوء، والحمل على التنجيس أقوى؛ لأنَّه متى دار الحكم بين كونه تعبُّدًا وبين كونه معقول المعنى؛ فالثاني أولى؛ لندرة التعبُّد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى، وأمَّا كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة؛ فممنوع.

ثمَّ الذين علَّلوه قالوا: العلة النجاسة، وقيل: القذارة؛ لاستعماله النجاسات، وقيل: علَّته لأنَّهم نُهوا عن اتخاذه، فلم ينتهوا؛ فغلَّظ عليهم بذلك، ومنهم من قال: إنَّ ذلك معلَّل بما يتقى من كَلَبِ الكلب، والعدد السبع قد جاء في مواضع من الشرع على جهة الطبِّ والتداوي، وأورد على هذا أنَّ الكلب المكلِّب لا يقرب الماء، نصَّ على ذلك جماعة من الأطبَّاء.

ومن قال بالتعبُّد يلزمه أن يقول: نغسل جميع الإناء ما لاقى الولوغ وما لم يلقه؛ عملًا بحقيقة لفظ الإناء، والأمر بالغسل ظاهره الوجوب، وعن مالك قول بحمله على الندب، وقد تقدَّم الاستدلال بغسل الإناء على نجاسة عينه، ثمَّ هذا الإناء يغسل سواء كان فيه طعام أو ماء؛ للعموم، ولمالك قول: أنَّه لا يغسل إلَّا إناء الماء دون إناء الطعام؛ لأنَّه مصون، ولأنَّ في الحديث الإراقة، وهي محرَّمة؛ لأنَّه إضاعة مال.

إشارة: مذهب الشافعية: إحداها، ففي رواية: (أولاهن) ، وفي رواية: (وعفَّرته الثامنة بالتراب) ، وإنَّما سميت ثامنة؛ لأجل استعمال التراب معها، فأطلق الغسل على التعفير مجازًا، وفي رواية صحيحة: (أولاهنَّ أو أخراهنَّ) ، وفي أخرى: (إحداهنَّ) ، وأورد بعض الحنفية علينا أنَّا لم نحمل المطلق على المقيد هنا، والجواب: أن هذا مقيَّد بقيدين، ومن أصلنا أنَّ المقيَّد بقيدين يبقى على إطلاقه، لكن نصَّ الشافعي في البويطي على أنَّه لا يجزئ التراب إلا في الأولى أو الأخيرة، وجزم به المرعشي، ويستحبُّ أن يجعل التراب في غير الأخيرة.

وإذا ولغت كلاب في إناء؛ كفى سبع للجميع، ولو لم تزل عين النجاسة الكلبية إلا بستٍّ، صحَّح النووي أنَّ الجميع واحدة، وقيل: يجب ستًّا، وهو ظاهر ما في «الشرح الصغير» .

ولو أكل لحم كلب؛ نصَّ الشافعي على أنَّه يغسل فمه سبعًا لا يعفِّره، وأنَّه يكفي في قبله ودبره من أجل البول والغائط مرَّة واحدة.

ولو وقعت في الإناء بعد الولوغ نجاسة؛ كفى السبع بلا خلاف، قاله ابن الرفعة، وفيه وجه، وفي «الصغير» : أنَّه يغسله من تلك النجاسة، ثمَّ يغسله من نجاسة الكلب.

وتفرَّد مسلم برواية: (فليرقه) ، وهل تجب الإراقة أو تندب وجهان: أصحُّهما الثاني، وهذا الحديث _وهو حديث الأمر بالإراقة_ محمول على من أراد استعماله.

ص 177

(سَبْعًا) : الحنفية لا يقولون بتعين السبع، ويعتذرون عنه بأجوبة:

أحدها: أن أبا هريرة راويه كان يغسل ثلاثًا.

والجواب عنه: أن هذا على رأيهم بما رأى، وعندنا بما روى، بل ما صح عنه إلا السبع، ونقل ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه: وجوب الغسل سبعًا.

ثانيها: أنه روي من طريق أبي هريرة مرفوعًا: التخيير بين الثلاث والخمس والسبع، فلو كان السبع واجبًا؛ لم يخير بينه وبين الباقي.

والجواب عنه: أنه ضعيف، نبه عليه الدارقطني في «سننه» ، والبيهقي في «خلافياته» ، وقال النووي: باتفاق الحفاظ عبد الوهاب بن عطاء مجمع على ضعفه وتركه، وعن أبي داود: أنه كان يضع.

ثالثها: أن هذا الأمر كان إذ أمر بقتل الكلاب، فلما نهى عن قتلها نسخ ذلك.

رابعها: أن الأمر بالسبع محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها.

وعند الحسن البصري: يغسل سبعًا، ويعفر الثامنة بالتراب؛ لحديث عبد الله بن معقل، وأجيب عنه: بأنه مضطرب.

إشارة: تعلق برواية: (ولغ) أهل الظاهر، وقالوا: لو أدخل يده أو رجله في الإناء لا يسمى ولوغًا، ولا يجري فيه حكمه؛ لأنه لا يقال: ولغ في شيء من جوارحه سوى من لسانه، كما قال المطرز، لكن قال ابن جني: (أصل الولوغ: شرب السباع بألسنتها الماء، ثم كثر فصار الشرب مطلقًا) ، وفي وجه عندنا: أن غير لعابه كسائر النجاسات اقتصارًا على محل النص؛ لخروجه عن القياس، قال في «شرح المهذب» : (وهو قوي متجه من جهة الدليل) ، وقال في «الروضة» : (إنه شاذ) ، ومراده من حيث المذهب جمعًا بين كلاميه، قاله ابن الملقن في «النكت على المنهاج» .

(حدثنا إسحاق أخبرنا عبد الصمد) : قال الكرماني: (إسحاق) : ابن راهويه، و (عبد الصمد) : هو ابن عبد الوارث، انتهى، وقال أبو علي: قال البخاري في (الوضوء) ، وفي (الصلاة) في موضعين: في باب (هل يؤذن إذا جمع بين المغرب والعشاء) ، وفي باب (صلاة القاعد) ، وفي (الأوقاف) ، و (مناقب سعد بن عبادة) ، و (غزوة خيبر) ، و (غزوة الفتح) ، و (الاستئذان) ، و (الاعتصام) ، و (الأحكام) : حدثنا إسحاق بن عبد الصمد؛ يعني: ابن عبد الوارث، نسب الأصيلي الذي في (الأوقاف) و (غزوة الفتح) ، و (الأحكام) : ابن منصور، وأهمل سائرها، ولم أجده لابن السكن ولا لغيره منسوبًا في شيء من هذه المواضع، وقد نسبه البخاري في باب (مقدم النبي صلى الله عليه وسلم) ، فقال: حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا عبد الصمد، وذكر أبو نصر أن إسحاق بن منصور وإسحاق بن راهويه يرويان عن عبد الصمد، وروى مسلم في باب (تقليد الغنم) : (عن إسحاق بن منصور عن عبد الصمد بن عبد الوارث) ، انتهى، وقال ابن الملقن: اختلف في إسحاق، فقال أبو نعيم الأصبهاني: هو ابن منصور الكوسج، وأما الكلاباذي والجياني؛ فذكرا أن إسحاق بن منصور وإسحاق بن إبراهيم يرويان عن عبد الصمد، (عن أبي صالح) : ذكوان.

(الثرى) : التراب الندي، والتراب له ثلاثة عشر اسمًا: تراب، تورب؛ كجعفر، تَوْراب، تَيْرب، إثلِب؛ بكسر الهمزة واللام، أَثلَب؛ بفتح الهمزة واللام، كثلت؛ بمثناة، الدقعم، الدقعاء، الرَّغام، البرا؛ كالعصا، الكِلخم، الكملِخ، العثير، وفيه ثلاث أخر: ترب، وتربة، وتُرباء، والصعيد، والبوغاء، والعفاء، والشفاه، والعَقَر، والكبات، والكفر، والقنع، والكديون، والدم، والكديد، والتريب، والدقى، والدبلغ، والتنختيت، والحِصْلب، والحسلم، والدهامن، والكتباء، والبلد، والحال، والعثعب، والكائن، والغبيصة، والكيس، والرفع، والربغ، والنعيط، والدليل، والكتوة.

ص 178

(فغفر له) : إن قلت: إدخال الجنة هو نفس الجزاء؛ فما معنى الفاء؟

قلت: هو من باب عطف الخاص على العام؛ أي: والفاء تفسيرية، نحو: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة:54] على ما فسر من أن القتل كان نفس توبتهم، قال الأصفهاني: قال بعض العلماء المالكية: أراد البخاري بإيراد هذا الحديث طهارة سؤره؛ لأن الرجل ملأ خفه وسقاه به، ولا شك أن سؤره بقي فيه، واستباح لباسه في الصلاة وغيرها دون غسله؛ إذ لم يذكر في الحديث غسله، قال الكرماني: وفيه دغدغة؛ إذ لا يعلم منه أنه كان في زمان بعثة سيدنا [محمد] صلى الله عليه وسلم، فلعله كان قبلها، أو كان بعدها قبل ثبوت حكم سؤر الكلاب، أو أنه لم يلبس بعد ذلك، أو غسله، انتهى، وورد في رواية أنه كان في بني إسرائيل، ولا يناقض هذا ما أمرنا بقتله، أو أبيح قتله، فإن ذلك إنما شرع؛ لمصلحة راجحة، ومع ذلك فقد أمرنا بإحسان القتلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت