وحدثني بعض خواص أصحابه ممن كان مجاورًا له في درب فرات، وهو الموضع حيث داره التي مات بها رحمة الله عليه، قال: سمعت في بعض الليالي وأنا مجاور للشيخ حركة ورجة، فتوهمت أنها حركة بعض أهل الدعارة وأصواتهم حول دار الشيخ، فبادرت من فوري للخروج لأنظر ذلك، وتوهمت أن يكون منهم من سوء الأدب بخطوره على محله على تلك الصفة، وخشيت أن يكون معهم خمر أو غير ذلك من المحرمات، فلما أن بلغت إلى باب داره بادرني من خلل الباب ومن أعلى الحائط، نور كاد أن يغشى بصري ضياؤه، فأدركني من ذلك دهش وخفت على نفسي ورجعت عليها باللومة، وقلت: يا نفسي تتعرضين أنت لحراسة مَنْ الله حارسه ووليه، فلما كان بعد ذلك قصصت القصة على الشيخ، فتبسم وقال لي: كان رجل يصلي هنالك، وأشار إلى مصلاه من داره فورد عليه شخص آخر وأشار بإصبعه للهواء من جهة المغرب، فكان ما رأيت، كأنه يقول جاءه رجل من الهواء، فعلمت قدر الشيخ رضي الله عنه، وازددت في بركته رغبة، وبفضله يقينًا. وكراماته رضي الله عنه كثيرة على شدة إخفائه لأمره وستره لحالة، ولولا أنه كان ينهى عن تتبع ذلك وصرف الهمة إليه لاستولى حفظ أصحابه على الكثير من ذلك، لكنه رحمه الله لم يزل يرفع الهمم لأرفع من ذلك، ويقول: غاية الكرامة الاستقامة ممن أكرمه الله تعالى ووفقه لتقواه. ويستدل بقوله عليه السلام: استقيموا ولن تحصوا، وهي كانت صفته وطريقته، وبذلك كان يأمر وإليه يندب، فكان كثيرًا ما يقول: ما ينبغي للمريد أن ينام حتى يحاسب نفسه بما صنع في يومه ذلك، فيتوب على الإساءة ويستزيد الله في الإحسان، ويقول: أما أنا فلا أنام إلا بعد محاسبة نفسي، وبعد كتب وصيتي حذرًا من فجأة الأجل.
وله رضي الله عنه كلمات تدل على فضله، وكان ربما أوردها نادرًا، منها قوله: لا ينبغي أن يشتغل بالنوافل إلا بعد عمل الفرائض، وكان يقول: الغش أصل كل خلق سوء، وما أذكر أني غششت قط مسلمًا، وكان يقول: لا ينبغي لأحد أن يعمل بجهل، وإنما العمل بعد العلم.
ولما أن كان الشيخ رحمه الله يحافظ على اتباع الورع، فنجلب ما قيل فيه، وقد قيل: إن الورع مقام من المقامات العالية، والأحوال الشريفة السامية، لما جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة رضي الله عنه: كن ورعًا تكن أعبد الناس. وأوحى الله