والتهاون بالمكاسب واسترسال الغيبة، وأكل الناس، وكان ذلك من أهم ما يوصى به ويتحفظ منه، والله أسأل الهداية لما ندب إليه بمنه وفضله.
وسمعت في مجالس التردد إليه في تلك الوجهة من فضل المجاهدة من فوائد اكتساب الحلال ما ينور البصائر، وقال: الحلال أعظم شعب الجهاد في الوقت، وكان من أعلم أهل زمانه في الحلال والحرام، وبه نجح في المغرب الفقه في هذا الباب من العلم وأحيا رسمه، وقد كانت اندرست أكثر طرقه ومعالمه، وانطمست أغلب سبله ومسالكه، فكان يأتي من علمه بالعجائب، ويظهر على عمله من تدقيق الأنظار فيه فنون الغرائب، ويأمر باستنساخ كتبه وقراءتها وتصحيحها، حتى فشت في الناس، وتعيش من نسخها جماعة ممن انضاف إليه، لم يكن كسبهم إلا من نسخها ونسخ أمثالها من كتب العلم، وخصوصًا كتب الفقه والتصوف.
فمن كتب التصوف كتاب (النصائح) للمحاسبي، وكان كثير المطالعة لهذا الكتاب حتى كان يجري منه مجرى الدم، وعلى قراءته كان يحض من يستنصحه، ولقد حض عليه مرة مولانا الخليفة أبا عنان رضوان الله عليه، وندبه لمطالعته في حين مكاتبته مولانا الخليفة واستنصاحه إياه، وكان ينظر أيضًا كثيرًا في (رعاية المحاسبي) ، وفي (قوت القلوب) لأبي طالب المكي، وفي (الإحياء) للغزالي، وحده ومعه أصحابه أحيانًا على حذر منه وتوق وشدة خوف واحتياط، أعني في وقت قراءتها مع الأصحاب وخروجًا منه عن عهدة الالتزام، فكان أبدًا تعليمه نصيحة إرشاد، تعرف القلوب خلوصه فتتلقاه بالقبول المتمكن، يزكيه الله فيها. وكان مع سيادته وعظمه في صدورهم لا يرى لنفسه عليهم شفوفًا ولا مزية، بل يعظمهم ويجلس معهم حيث أمكنه الجلوس، ويكنيهم ولا يدعوهم بأسمائهم، وكثيرًا ما يردد في كلامه: يا صاحبي إنما أنا واحد منكم ولست بشيخكم ولا معلمكم، عليكم بكتب العلماء وما صنفه الحلة الفضلاء، ولا يقتد أحد بي فيما لا يجد له أصلًا في كتب العلماء، ولست بقدوة ولا إمام متبع، وإنما أنا رجل من المسلمين وكان كثيرًا ما يجري على لسانه من الوصايا، قوله: الخير في ترك الشبهات، والورع عن المنهيات، ورد التباعات، وترك الغيبة والنميمة، وبذل النصيحة، والاجتهاد في ابتاع السنة، فتلك غاية النعمة. وأول ما كان يخص عليه التائبين، رد التباعات، وقضاء الصلوات، والورع في المعاملات،