ولا آذته، حتى قبضه الله عز وجل، سنة أربع وستين وسبعمائة رحمه الله.
وكان فيه إيثار على إخوانه وتحنن على الضعفاء والمساكين، وما كان يدخر من قوته إلا قدر كفاية عائلته ويتصدق بالباقي، وربما آثر بقوته وإن كان خاصًا به، وربما كان يفعل ذلك ويكون صائمًا ويطوى الصوم، وكان من استقامة الحالة على سنن مرغوب فيه، وقد قيل: الاستقامة مقام عال وطريق سائل، قال الله عز وجل: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} - الآية -.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
وقال المشايخ رضي الله عنهم: للاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، فمن لم يكن مستقيمًا في حالته ضاع سعيه وخاب جهده، وإن كان له كد واجتهاد.
29 -ومن الطبقة الثالثة: الشيخ المبارك الصالح أبو عبد الله السائح.
من أهل سلا، وممن لقي سيدي أبا العباس بن عاشر، ونظرائه من أهل زمانه، فأخذ عنهم وتبرك بهم واقتبس من فوائدهم، مذهبه السياحة في الفلوات، والتجرد للعبادات إلا أنه في التاريخ بلغ به السن إلى غاية لا يستطيع على المشي والجولة، فاستقر بسلا، فإذا سئل عن فائدة العزلة والسياحة، يقول: السلامة في العزلة والراحة في الخلوة، والعبرة في السياحة، ومن خالط الناس اشتغل. والسياحة حالة من حالات الأكابر وهي نوع من مقام لمن غلبت عليه ولازمها، وهي من باب العزلة والخلوة، ولا تتم إلا بشروط هي مقامات مثل الصبر والمجاهدة، والصوم والذكر والاعتبار، وتحصيل ما لا بد منه من العلم والفقه والعبادات.
30 -ومن الطبقة الثالثة: الشيخ البصير المثابر على أعمال الخير، وصاحب الباطن المستنير، أبو سليمان داود البصير.
أحد الأخيار المتعبدين، من العباد الفاسيين، ساذج الطريقة حسن الهدى، سالم الفطرة، مشغول بما يعنيه، كثير المواظبة على الخير، متوق عن الشبهات، مسارع في الخيرات، معمور الباطن في الحق، زاهد في الدنيا راغب في الآخرة، مستتر بصلاحه متواضع، شفيق القلب غزير الدمعة، رقيق النفس، من أحسن المجتهدين حالًا، وأصوبهم مذهبًا.