لسانه قوله لا ترى إلا الله، ما ثم إلا مولاه، فإذا أنكر عليه أحد ما يبدو عليه من الصياح والزعقات والذكر بجهارة الصوت، يقول يا أخي: ما هو باختياري، وإنما أنا عبد مأمور، إن أمرت بشيء فعلته. وكان لا يقر له قرار، وإذا سمع شيئًا من الذكر زعق حتى يظن أنه مات، ثم يفيق، وكان مشهود البركات مشهور الكرامات.
وكان له حظ من استجابة الدعوة والاطلاع على شيء من الخفيات، إذا لمس بيده مريضًا شفي، وإذا قرأ في أذن مصروع أفاق، وإذا دعا على أحد هلك، سرق له رجل يومًا قرعة من قرعه كان يزرعه بيده، فقيلت له فدعا عليه، فأصابه وجع فقضى عليه فمات، فقيل له كيف تقتل نفسًا بسرقة قرعة؟ فقال: قتله الله على هتك حرمة عبد من عبيده، ما له جهة إلا جهته. وبات ليلة معنا في سلا، في دار بعض الإخوان، فما كان إلا أن مر من الليل جزء حتى قام بصحن الدار وجعل يصيح بأعلى صوته، منتهرًا لشيء لا نعلمه، وأشار لجهة داره (بأسمير) . فسألنه عن ذلك فقال: إن بعض أصحابنا وصلوا الآن لموضعي بأسمير، فتعرض لهم الأسد فصحت به. فلما أن كان من الغد فصحنا عن الأمر فوجدناه كما قال، فسبحان من إذا أطاعه عبده طوع له كل شيء، لا إله إلا هو الحكيم العليم.
توجه للبلاد المشرقية سنة خمس وستين وسبعمائة، ولم يسمع له بعد ذلك خبر، ولا أعلم أهو حي أو قبضه الله تعالى إليه، وكان يغلب عليه الأسف والحزن.
قال الشيخ أبو القاسم القشيري: الحزن يقبض القلب عن التفرق في أودية الغفلة.
وقال أبو علي الدقاق: صاحب الحزن يقطع من طريق الله تعالى في شهر، ما لا يقطعه من فقد حزنه في سنتين.
وفي الخبر: أن الله تعالى يحب كل قلب حزين.
وفي التوراة: إذا أحب الله عبدًا نصب في قلبه نائحة، وإذا أبغض الله عبدًا جعل في قلبه مزمارًا.
وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مواصل الأحزان دائم الفكرة.
وقيل: القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب.
وقال سفيان بن عيينة: لو أن محزونًا بكى قي أمة، لرحم الله تبارك وتعالى تلك الأمة ببكائه.