فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 52

وصار عبد الله عز وجل يعترف إليه بالتسليم فيما يجريه من تصاريف أقداره، يسمى عند ذلك عارفًا، وتسمى حالته معرفة.

وقال الشبلي: ليس لعارف علامة، ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى، ولا لخائف قرار، ولا لأحد من الله عز وجل فرار.

وقيل: من عرف الله عز وجل صفا له العيش وطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله عز وجل، وذهبت عنه رغبة الأشياء ورهبتها.

والمعرفة توجب الحياء والتعظيم، وقيل: أركان المعرفة الهيبة والحياء والأنس.

7 -ومن الطبقة الأولى: الكثير الخوف والخشوع، المواصل السجود والركوع، القوام بالليل وقد لاذت الحواس بالهجوع، الصابر في ذات الله على ما يقاسي، الشيخ الفقيه الخطيب أبو الحجاج يوسف بن عمر الأنفاسي، كان رحمه الله من جلة الفقهاء العاملين، وأكابر الفضلاء من أهل الدين، صام حتى نحل جسمه ورق جلده، وقام حتى تورمت قدماه، وله عراقة في الفقه والصلاح، فهو فقيه وصالح ابن صالح. ومن كلامه: أفضل العبادات المراقبة وحفظ الحدود، وكان يقول: ما أتعب العاصي! يطيع هواه وشيطانه ونفسه، وهم يكلفونه فوق طاقته، والطائع لا يطيع إلا الله، ولا يكلفه إلا ما يستطيع، وكان رحمة الله تعالى عليه مهتمًّا بمصالح المسلمين.

حدثني غير واحد ممن يعرف سيره وأخلاقه، أنه كان إذا جن الليل يخرج من داره التي يسكنها، وهي المحبسة على الأئمة بالجامع الأعظم بفاس، فينظف الجامع وينظر في مصالحها ويباشر ذلك بنفسه قربة لله عز وجل.

ومن بركاته ما استفاض عنه أنه ورد عليه ليلة من الليالي جماعة من الأضياف، وكان قد صنع لفطره قدر ما يقتاته إنسان من الكسكسو فلما حضر بين يديه وضع يده على أعلاه وذكر اسم الله سبحانه وقدمه إليهم، فأكلوا منه بأجمعهم حتى تملوا، وفضل له من بقيتهم قدر كفايته رضي الله عنه.

ولم يفارقه خوف الله عز وجل والخشية منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع.

وقال صلى الله عليه وسلم: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت