رضوان الله عليه يؤثر قراءتها، ويأمر بنسخها وتصحيحها وضبطها، فاستغرق فيها أكثر أوقاته ليلًا ونهارًا، وكان مع ذلك جوادًا يؤثر إخوانه على نفسه بما يخصه، وكان حافظًا لأمر دينه شديد الحوطة مُدَثرًا في مُرَقَّعة إن أصابها شيء بالغ في طهارتها، لا يبالي ببللها عليه في كَلَب البرد وتوالي الشتاء، تدوم له المعاناة من ذلك الأيام فيطاولها بالصبر الجميل، وكان يتناول أمر معاشه بيده، ويحمل عن الشيخ من ذلك شيئًا في بعض الأوقات، وما كان يعد شيئًا من عبادته أعظم من خدمته شيخه واسترضائه بجميع وجوه مراضيه، حتى بلغ منه كل مبلغ، ونال من الاستمتاع بنصائحه كل بغية، توفر حظه من جهاد النفس الذي هو مفتاح السعادة ودليل الهداية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} . وفي الحديث: جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو مجاهدة النفس.
وقال أرباب الطريقة من التصوفة: من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة، لم يجد لهذه الطريقة سمة.
وقال الشيخ أبو علي الدقاق: من زين ظاهره بالمجاهدة حَسَّن الله باطنه بالمشاهدة.
وكان أحد الأكابر يقول: بُني هذا الأمر - يعني طريقة الصلاح - على ثلاثة أشياء: ألا تأكل إلا عند الحاجة، وألا تتكلم إلا عند الضرورة، ولا تنام إلا غلبة.
وقال ذو النون المصري: إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء. ضعف النية بعمل الآخر، وصارت أبدانهم رهينة لشهواتهم، وغلبهم طول الأمل مع قرب الأجل، وآثروا رضى المخلوقين على رضى الخالق، واتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم، وجعلوا قليل رُخَص السلف رضي الله عنهم حجة أنفسهم، ودفنوا كثير مناقبهم.
وقال أبو العتاهية:
أشُدُّ الجِهادِ جِهادُ الهَوَى ... وما كَرَّم النَّفْسَ إلا التُّقيَ
10 -ومن الطبقة الثانية: تِلْوُهُ في درجة الفضل بل الفضيلة والزهد، وخَلِيلُهُ في طريقة الخير المبلغة للقصد، القوى الفراسة، الموكل المعارف، المتغذي بألطاف الأسرار وأسرار اللطائف، الدائم الفكرة والسُّهاد، أبو بكر بن الشيخ الصالح الخطيب، أبي إسحاق إبراهيم بن عباد.