فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 52

لاحت عليه لوائح الاختصاص، وشم رائحة من نفحات أهل الإخلاص، وكانت له في الاجتهاد طريقة مأثورة، ومادة من العلم موفورة، فألف فيما لاح له من الحقائق مصنفًا لم يظهر بعد وفاته.

حدّثني جماعة من أصحابه، قالوا: سافرنا معه فآثرنا بمركوبه، وخص كل واحد منّا من ذلك بحسب ما افتقرت إليه قواه، فكنا لا نجد ضعفًا ينتهي بنا إلى العجز ويشرف من تَبِعَه على النكال، إلا رفع عنه المشقة، وتداركه بنوبة ركوب، وهو بين يدي مسيرنا على قدميه، يلاحظ أحوالنا ويهتم بشؤوننا ويتكفل بما يعن من أمورنا، ومتى حضر وقت الطعام يقدمه ويعزم علينا في الأكل، ويتشاغل عنا بما يَطْرُق من مهمات السفر، ويجهد في تملّينا من الطعام إلى حد الغاية، فإن فَضَل شيء أجزأ به، وإلا بقي على ريقه. وكان يقصده لقوته ما زهد فيه أربابه ونبذوه. فيلتقط طعامه من الممرات ومسيل المياه وأماكن المطروحات، ولا يدخر ما زاد على سد الجوعة، ويشتمل ساترًا من ليق العزف، وليس بينه وبين لحمه حائل، كان قبله هذا الساتر بعينه للشيح يوسف بن عمر الأنفاسي المتقدم الذكر فصار إليه بعد وفاته. وكان يقول: من أكل المباح أربعين يومًا نطق بالحكمة.

وسألته بما أدركت ما أدركت من المكاشفة؟ فقال لي: بالخلوة والصوم وأكل الحلال. فسألته ما معناها، أو كيف يدرك الولي ذلك الحظ من الاطلاع، فقال لي: لا يُعرف ذلك إلا بالذَّوْق، يعني لا يعرفه إلا من اتصل به وشاهده. وضرب لي لذلك مثلًا فقال: أرأيت لو أن شخصًا خُلِق أعمى لا يبصر شيئًا، فأردت أن توقع في نفسه معنى لون من الألوان المرئية، بعد أن يسألك عن شيء منها فيقول لك ما معنى اللون الأحمر مثلًا؟ فتقول له: اللون الأحمر لون الدم. فيقول لك: وأي لون هو لون الدم؟ فتقول له لون الشقائق، فيقول لك ولون الشقائق أي لون هو؟ فلو انتهيت إلى تعداد كل لون أحمر وُجِد، ما أمكن أن يَعْرفه ولا يقع في نفسه إلا إن رآه، وكذلك ذلك الباب، بأي شيء نمثل لك في شيء خلقت عنه أعمى؟ فإن يسّر الله سبحانه عليك وتُبْصِر ببصيرتك فإنك ستراه عيانًا.

وكان له قدم في الإيثار، فإنه آثر بأكثر ميراثه من والده، ومازال دأبه السخاء بما كان يكتسب بعد ذلك، ويصنع الطعام من كسبه للفقراء والضعفاء من ذوي الدين والفضل، ويتناول تقريبه إليهم بنفسه، وكان متواضعًا شفيقًا، فقد بلغني أن نملة لصقت في ثوبه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت