طبقته من الأكابر في سلا، ولقي جميع أصحابه هنالك، وكان شيخه الذي أخذ عنه الطريقة: الشيخ الكبير الشأن، أبا محمد عبد الله التكروري، وكان من مشاهير المتبركين بهم من أقران سيدي عبد الله اليابوري بسلا، وكان موضع سكناه بجامع الصابرين من فاس، وكان له أحوال سنية، ولسان في علم التصوف بليغ، حسن العبارة لطيف الإشارة. دقيق النظر، على قدم من التجريد، وكان له مجلس للعلم والتذكير، يحضره أكابر الوقت مثل الفقيه أبي إسحاق اليزناسني، والفقيه أبي الضياء مصباح، ونظائرهم من أهل الفضل والفقه.
وسمعت أن بعضهم كان يقول: كنا إذا أقبلنا على الشيخ ارتعدت فرائصنا من جلالته، فعن هذا الشيخ المبارك كان أخذه، وبه كان انتفاعه وتبركه، وكان تلميذه الخاص به، فحصل على حظ جزيل من فوائده وأسراره، وكان الشيخ يسميه فيما سمعت: النجيب، ويخصه بالعلوم الخفية والأسرار الدينية، فنشأ على ذلك خير نشأة، وتربى في حجرة خير تربية، وهو على ذلك إلى الآن في زيادة اجتهاد في الخيرات، وملازمة الطرق الصالحات، والغالب عليه رقة النفس والخشوع، وهو صاحب حال، والحال عند القوم عبارة عن معنى يرد على القلب، فيشرق فيه نوره كوميض البرق، وهو مما لا يدوم زمانين، فإذا تكرر الحال وثبت كان مقامًا، ولذلك قالوا رضوان الله عليهم: الأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود، وصاحب المقام متمكن في مقاله، وصاحب الحال مرقى عن أحواله.
24 -ومن الطبقة الثانية: الشيخ الناسك الصالح المبارك، العاكف على العبادة، الظاهر البركة والسيادة، أبو عبد الله السيد محمد العربي.
نزل فاسًا وانقطع للعبادة منها بجامع بموضع يقال له غدير الجوزة، وهو به حتى الآن أحد فضلاء الوقت وأشياخه الموسومين بالخير والصلاح، والاجتهاد في العبادة، وسلوك سبيل المؤمنين، لقيته غير مرة، وتبركت به والتمست دعاءه الصالح، وله طريقة مبنية على الخلوة والذكر وتلاوة كتاب الله تعالى عز وجل، وله بركة معروفة في بقية وضوئه يستشفى به المرضى، وينال بركته المصروعون من مس الجن، وله في ذلك قوة يقين بحسن نيته نفعه الله ونفع به، ولم تكن له حالة تغلب عليه فيما أعلم غير الانقطاع لباب الله تعالى، واللجأ إلى الله عز وجل، وكفى بذلك شرفًا وفضيلة.