فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 52

وله حظ من مقام الصبر، وقد قيل: إن الصبر من شعب الإيمان، والصبر على أقسام: الصبر على ما هو كسب للعبد، وصبر على ما ليس له. فالصبر على كسبه على قسمين: صبر على ما أمر الله تعالى به، وصبر على ما نهى عنه، وأما الصبر على ما ليس بكسب: فصبر على مقاساة ما يتصل به من حكم الله تعالى فيما له فيه مشقة.

وقال علي رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.

وقال ابن عطاء الله: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.

وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة. وقال ابن عيينة في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} . قال: لما أخذوا برأس الأمر، جعلناهم رؤوسًا.

31 -ومن الطبقة الثالثة: البر الزكي البادي العلامة، صاحب الحال والكرامة، الكثير البركة والمعروف، أبو محمد عبد الله بن مخلوف.

من أهل بادية سلا، ومن أهل الصلاح والعبادة، وممن طار له ذكر في الاشتهار بالخير، وله صحبة مع سيدي أبي العباس بن عاشر، ولقي غيره من أكابر السلاويين، وله حالة معروفة وكرامة مشهورة، فمما حدث به بعض أصحابه قال: كان الشيخ أبو محمد معتكفًا في العشر الأواخر من رمضان بجامع القرويين من فاس، وكنت إذ ذاك أخدمه وأهيئ له ما يحتاج إليه، وكان له في الوقت أهل وقرابة بموضع من ظاهر سلا، فبينما أنا جالس معه في الخلوة إذ به قام بسرعة وصاح وضرب بيده واغتاظ غيظًا شديدًا، فلما سكن ما به تلطفت في سؤاله عن ذلك فقال لي: إن فلانًا - وعين واحدًا من جيرانه في البادية - قد استشرف الآن لينظر على زوجتي في بيتها فصحت به ولطمته، قال فورخت ذلك اليوم وخصصت تلك الساعة، وفحصت بعد ذلك عما أخبر به، فوالله ما غادر شيئًا مما جرى، وقال لي ذلك الرجل لما سألته عن المسألة: نعم، سمعت صياحه ورأيت يده لطمتني ولم أر شخصه.

وحكى بعض الموثوق بهم من أصحاب سيدي أبي العباس بن عاشر هو وآخر مثله، أنهما رأياه وقد جاز عشية من وادي سلا من هذه العدوة إلى تلك الأخرى من غير قارب في أسرع وقت، قالا: ولا علمنا كيف صنع، هل مشى على الماء، أو خطا خطوة من هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت