وقال أبو القاسم القشيري: الخوف معنى وتعلقه في المستقبل؛ لأنه إنما يخاف أن يحل به مكروه أو يفوته محبوب، ولا يكون هذا إلا بشيء يحصل في المستقبل، فأما ما يكون في الحال موجود فالخوف لا يتعلق به.
وقال الشيخ أبو علي الدقاق: الخوف على ثلاث مراتب: الخوف والخشية والهيبة، فالخوف من شروط الإيمان، والخشية من شروط العلم، والهيبة من شروط المعرفة.
وقال إبراهيم بن شيبان: إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه، وطرد رغبة الدنيا عنه.
8 -ومن الطبقة الأولى: الفقيه العابد التقي الزاهد، الكبير الشأن والحال، العظيم القدر والجلال، المطلع على ما منحه الله من السر المصون، والعلم المكنون، الكثير البركات والمعالي، الشيخ الفقيه الصالح، أبو محمد عبد العالي الأغزاوي.
انقطع إلى الله تعالى على سنن الورعين والعلماء العاملين، واحدًا في متعبد بلاده بين أهله بأغزاوة من أرض غمارة على وتيرة واحدة، وعمل مستدام وتوجُّه متصل، لا يخرج من داره إلا إلى صلاة العيدين، وأيام تعد له قلائل، ومن أتاه زائرًا استؤذن عليه فربما أذن له في الدخول عليه في خلوته، فلا يزال متحدثًا في فنون جمة من العلم، فكان إذا أخذ في باب من العلم سرد جميع مسائله، فيقال إنه لا يحسن غيره لفقهه فيه، وحسن تعليمه ووضعه، وربما كان يتكلم فيسترسل به الكلام في أبواب من العلم لم يسمع بمثلها، ثم يعطف فيرجع لما كان بسبيله.
سمعت بحضرته بعض أصحابه يقول: قطع الشيخ نصف عمره المبارك في قراءة العلم، ونصفه في العمل به، وتوفي رحمة الله عليه وقد نيف على الثمانين، سنة تسع وستين وسبعمائة.
وأما كرامته رضي الله عنه وبركاته، فالمثل السائر والخبر المتواتر، آثر رحمة الله عليه ورضوانه الخلوة والعزلة، وقد قال أهل العلم من أهل التصوف: الخلوة صفة أهل الصفة، والعزلة من أمارات الموفقين الجلة، ولا بد للمريد من ابتداء أمره من العزلة عن أبناء جنسه، وقيل: إذا أراد الله عز وجل بنقل العبد من ذلك المعصية إلى عزل الطاعة، أنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة، وبصره بعيوب نفسه، ومن أعطى ذلك فقد أعطي خير الدنيا