15 -ومن الطبقة الثانية: مستنشق مَهَابَّ الرحمة، والمكب على الأعمال التي هي مظان الوصول إلى الجنة، الشاب الصالح المواسي، أبو الربيع سليمان المكناسي.
كان رحمة الله عليه من أصحاب الشيم الزكية، والمناقب المرضية، أقام مدة يقضي في كل يوم وليلة صلاة شهر، أشل الرجل الواحدة، وكان متسع الأخلاق، منشرح الصدر، لين الجانب، حسن الطريقة، جميل العشرة، صادق اللهجة، حقًا كله، لا يفتر عن عمل من الخير، مصروفًا عما لا يعنيه، متواضعًا خاشعًا، خيرًا مجتهدًا، زاهدًا ناسكًا عابدًا، كان قبل وفاته بثلاثة أيام ونحوها، صحيحًا لا يجد ألمًا، فانقلب ما كان يظهر على محله من البسط قبضًا، ومن الانشراح لإخوانه انكماشًا منهم، وأكب على قراءة القرآن من المصحف، والتزم صون النطق بما دون القرآن والذكر، فعجبنا من حالته تلك، على خلاف ما نعهده منه من الأنس به، فأتى إليه بعض الأصحاب يطلب بسطه ومراحه، فانتهره وأغلظ إليه في القول، وقال له يا أخي: إن الحق قد أقبل، وإن الباطل قد ذهب، وما أرى أجلي إلا قرب، فكن في شأنك ودعني في شأني، فوالله ما كان بينهما إلا نحو من ثلاثة أيام حتى قبضه الله إليه، سنة أربع وستين وسبعمائة، ودفن مع أصحابه وراء الجامع من سلا رحمة الله عليه.
وكان كثير الخشوع يرجو بركته - أي الخشوع -. قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} . وقال عز وجل: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} . قيل معناه: متواضعين خاشعين: والخشوع انكسار القلب من هيبة الرب.
وقال محمد بن علي الترمذي: الخاشع من خمدت نيران شهوته، وسكن دخان صدره، وأشرق نور التعظيم في قلبه، فماتت شهوته، وحيي قلبه فخشعت جوارحه.
16 -ومن الطبقة الثانية: الشاب التقي، البر الزكي، واحد النجباء، الظاهرة عليهم مخيلة الصلحاء، الفقيه الصالح الأبر، أبو الربيع سليمان بن يوسف بن عمر.
نخبة أهل عصره، وواحد أهل زمانه، الناسك الورع المجتهد، الجامع إلى فضل الطبع وكرم الأخلاق والخلال مأثور الأفعال وسنى الأعمال. والمنتهى من السبق في حلبة المتجارين في ميدان العرفان إلى غاية تفنن الكمال، وارث الخير ومزكيه بالمحامد البارعة التفصيل والإجمال، معمور الباطن بالحق معمور الوقت بالخير، كامل المروءة مكتره