الوصال، ويقول: بقيت أواصل ما شاء الله، وأقتات بورق الخبازى وحيوان من البحر يسمى السرنبق نحوً من سنتين، فأضر بي ذلك في أداء الفرائض، وكان يحذر من الخلوة المفرطة، ويقول: ما ينبغي أن يخلو إلا قوي، فإني كنت في بعض خلواتي ليلة، فأتاني رجلان من الجن في أيديهما شمعتان موقودتان، فقالا لي: نريد خدمتك وأنسك، فأبيت ذلك خشية الفتنة.
فهذه كانت حاله رضي الله عنه، وعلى هذا ظاهرًا وقف أمره إلى أن لقي الله عز وجل، واستأثر به سبحانه في شهر رجب الفرد من سنة أربعين وستين وسبعمائة، وكان من قصة وفاته ما حدثني به من حضر من أصحابه - فإني كنت في التاريخ بفاس - أن الشيخ رحمه الله اشتكى أربعة أيام فكانوا يبيتون عنده التماس بركته وخدمة له، قالوا: فلما كان في الليلة التي قبض فيها، جلسنا إليه على العادة نحادثه بمسائل من العلم ونلاطفه بما نميل إليه نفسه المباركة من الخير، فتلقانا في تلك الليلة بالانشراح والبسط ولين الجانب، والإمتاع من حديثه والإقبال بالفائدة علينا، والإشارة إلى أسرار العلوم وكشف حقائقها وغوامض أسرارها، بما علمنا أنه مما فتح الله على قلبه بما لم يطلع عليه إلا خواص أوليائه، فعجبنا منه غاية العجب، وفرحنا به وابتهجت نفوسنا، وانشرحت صدورنا، وما نرجو الله تعالى أن ينفعنا به، وكان ذلك فتحًا لم نعهده قط منه ولا نألفه، فسرحنا في جنة الأنس نتنعم به وبحديثه، ونتلذذ إلى أن مر من الليل جزء وافر، ثم التفت إلينا مسرعًا فقال: يا أصحابنا، أطفئوا السراج، وانصرفوا راشدين، وخذوا مضاجعكم فإني إن شاء الله بخير والحمد لله تعالى، قالوا: فانصرفنا من فورنا امتثالًا لأمره على كره منا لمفارقته، وصرنا إلى البيت الآخر من داره، فنام بعضنا وبقي بعض دائم اليقظة امتداد ساعة، وإذا برجل قد هب بعد أن كان نائمًا وعليه أثر روع، فقال: أدركوا الشيخ، فإنه قبض رحمة الله عليه، قالوا: فقمنا مبادرين إليه، وأسرجنا السراج، ودخلنا عليه فوجدناه كما قال قد قبض، فعجبنا من ذلك وسألناه من أخبره، فقال: رأيت رجلين عليهما أثر الصلاح، أحدهما خارج من عند الشيخ والآخر داخل من باب الدار، فقال الداخل للخارج: ما الخبر؟ فقال له: انبسط الشيخ بنفسه ومات، فأفقت كما رأيتم، فقلنا: إن الشيخ حضره رجال الغيب، فجهز ودفن في صبيحة تلك الليلة، في الموضع المدعو بوراء الجامع، وقد كان دفن بمقربة من ذلك الموضع، جملة من