وكان صاحب اللهجة في الشكر، وشكر الله سبحانه متكفل بالمزيد، قال الله تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} .
وقال عطاء: سألت عائشة رضي الله عنها عن أعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وقالت، وأي شأنه لم يكن عجبًا، إنه أتاني ليلة فدخل معي في فراشي حتى مس جلدي جلده، ثم قال: يا ابنة أبي بكر ذريني أتعبد إلى ربي، قلت: إني أريد قربك، ثم أذنت له فقام إلى قربة ماء فتوضأ، ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فأذنه بصلاة الصبح. فقلت يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا. ولم لا أفعل، وقد أنزل الله عز وجل عليّ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} - الآيات -.
وقيل حقيقة الشكر: الاعتراف بنعمة المنعم، وقيل حقيقة الشكر: ألا يُعْصَى الله بنعمه.
وقال داود النبي عليه السلام: إلهي كيف أشكرك، وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله عز وجل إليه: الآن قد شكرتني.
وفي الخبر: أول من يدعى إلى الجنة الحامدون لله على كل حال.
12 -ومن الطبقة الثانية: التائب الصابر، التابع لسنن الأكابر. حامل القرآن، المتصف بأوصاف أهل الإيمان، الموصوف بالخير المعنوي والحسي، الشيخ المبارك أبو الحسن علي البلنسي، من أصحاب سيدي أبي العباس بن عاشر، سلك على سبيله وتأسى بطريقته، وتمسك بهديه الصالح، ونزع منزعه، وكان فقيهًا تقيًا، وصالحًا مباركًا، مثابرًا على قراءة القرآن والعلم، دائم الصلاة والصوم، كانت له حالة في الخير مستحسنة، ووتيرة محمودة، وتواضع مقبول، وتسليم يلازمه الرضى، وكان غير مكترث في أمر الدنيا، في شغل عن لذاتها بعبادته، غير ملتفت لها ولا بزهرتها ونضارتها، حسن التلاوة لكتاب الله عز وجل، قائمًا على الأداء يحسن نسخه، حريصًا على فهم معناه، محافظًا على الرفق بما تنطرح عليه أشعة بصره، فكان له زينًا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان الرفق في شيء إلا زانه. فكفى بذلك فضلًا وكمالًا. توفي سنة أربع وستين وسبعمائة، ودفن وراء الجامع من سلا رحمة الله عليه.