والأخذ بالأوسط من الحالات، والتحرز عن بُنَيَّات الطرق، والشذوذ من العبادات.
وكان رضي الله عنه أبدًا في زيادة من أمره ورفعة في حاله، فكان من حالته أولًا في حين رؤية المؤلف له واستفادته منه، يجلس مع أصحابه لقراءة كتب التصوف غالب الأيام، في دار بمقربة من داره، حبسها لذلك بعض أصحابه، وكان المتولي للقراءة والإقراء غيره من أصحابه، لكن ربما تمر بهم المسألة المشكلة فيفزعون في حلها إليه، فيتكلم بما عنده على حالته من الحذر والتحرز إلى كف نفسه عن حضور ذلك المعهد، واقتصر على داره إلا في بعض الأحيان القليلة يجتمع معهم في خارج البلد، في رقعة من رباط كان اشتراه بجهة باب سبتة من سلا، أو بموضع داخل السور يعرف بوراء الجامع فيه الجبانات، وكان كثيرًا ما يجلس في هذا الموضع متوجهًا للقبلة، وثم دفن بعد وفاته رحمة الله عليه. وربما كانت له وقفة بعد صلاة الجمعة عند باب داره، يضطره إليها من يترقب زيارته بها في أيام الجمعة، فإنه كان اقتصر على الصلوات في داره إلا الجمعة، فكان المتبركون يغتنمون ذلك الموقف المبارك ويدعون تلك الساعة بساعة الرحمة، وفيها كان يظهر عليه شيء من البسط، فإنه كان الغالب عليه القبض، وكانت تعلوه هيبة فلا يقدر أحد أن يكلمه ما لم يبتدئه ويؤنسه هو، وكان إذا توجه لصلاة الجمعة كأنما هو متوجه إلى المحشر والموقف، فكان يتنظف لذلك ويتأهب ما أمكنه، وكانت له جبة صوف خضراء وحزام صوف معدّان لذلك اليوم، وكان يلبس في سائر أيامه جبة أخرى بالية قصيرة الأكمام قصرًا كثيرًا، وحزام صوف أكحل، وينتعل نعلًا خشنًا في أسفله مسامير، وكان في ملبسه ومكسبه وسائر أحواله في غاية التقشف والتقلل، متبتلًا في مناجاة ربه وعبادة خالقه. وأخذ في الأهبة الغاية ينتظر القدوم عليه حتى إنه كان المتناول لما يضطر إليه في أمر معاشه من طحن وعجن وخبز وغير ذلك، وربما كان يرغب بعض خواص أصحابه أن يكفيه شيئًا من ذلك، فيأبى إلا اليسير في بعض الأوقات، وكان يرى في ذلك قطع العلائق ويرغب في أجر المشقة، وكان وجه تكسبه إما من نسخه لكتاب العمدة، وإما من حرث كان يحرثه له رجل من أصحابه معلوم الكسب، يبذر له يسيرًا من القمح فيرزقه الله سبحانه مقدار قوته، نهايته تسعون صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، يأخذ منه مدًا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ربع صاع في كل يوم، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا ويأمر بذلك، وينهى عن