الحمد لله الذي نور قلوب أوليائه بهدى التقوى، فتسابقت إلى صراطه المستقيم، تتجارى في مضماري خالص الإيمان وأزكى الأعمال. أولئك على هدى من ربهم، أعدت لهم الجنة نزلًا جزاء الانتهاء وثواب الامتثال. وسبقت لهم سعادة الفلاح في الأزل، فانتهوا إلى الفوز بخصل السبق في المآل، يتمتعون بما اشتهت أنفسهم من قرة أعين وهم فيها خالدون، لا يتطرق لنعيمهم قاطع الزوال، ولا يضارون في رؤية ذي الجلال. عليهم رضوان من الله يقربهم إلى الله زلفى ورحمة وارفة الظلال.
وصلى الله على مسكة الختام، ولبنة التمام، وسر السر البشري ومنتهى الكمال، منقذ المؤمنين من حيرة الضلال. الهادي إلى السبيل السواء، سيدنا ومولانا محمد صفوة الأصفياء، ونخبة الاجتباء. سيد ولد آدم وآدم بين الطين والماء، المخصوص من الله بالمحبة بين الأرسال. ورضي الله تعالى عمن له من الأصحاب والأنصار، والقرابة والأصهار، والعشيرة والآل. أئمة الاقتداء، ونجوم الاهتداء، المخصوصين بالدرجات المنيفة، والمزايا الشريفة، التي لا مطمع فيها أن تنال، صلاة دائمة ورضي مجددًا، نجدهما عُدَّةً يوم لا ينفع بنون ولا مال.
وبعد: فإن الله تعالى بجميل لطفه، وجزيل صنعه، تدارك العصر الذي كادت فيه آثار الأعمال أن تدثر، وشواهد الأحوال ألا تبصر، ودراري الأعلام أن تخنس، ومصابيح العلوم أن تطمس، بالخلافة التي أحيت مواتها، وجمعت أشتاتها، وحيرت طلابها، ورفعت حماها. فانبعثت القرائح وطمحت الهمم، وقصد الحق فوضح السنن، وتنوسي الخابط، وتلوفي الفارط، وشمر المجدون، لما حقه أن يرغب فيه الراغبون، وفي اقتنائه فليتنافس لمتنافسون. وقام لله بالأمر من أعلام مرين الخلفاء الراشدين، فلم يخل لهم رضوان الله عليهم أجمعين، بساط من حمله العلم والاستكثار منهم، ونظر التحقيق معهم والأخذ عنهم، والمبالاة بعلو قدرهم والمباهاة بانتشار ذكرهم، والتناجي مع العباد والزهاد في أغلب الأوقات، وارتياض نصائحهم بالتخلص لهم في الخلوات، وطلبهم في التبليغ عمن لا يستطيعه من الرعايا من سائر الطبقات، فيحصل لهم الاطلاع على عامة شؤونهم، وكافة أمرهم.
فكثر العلم وفشا العدل، وانسكب على جميع الخلق من الله المن والفضل، ووجد أهل الخير باستخلافهم عليه عونًا، وزادت محارم الله احترامًا وصونًا، فاسترد المغرب بسلطانهم