فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 52

الفساد، ناصح لعامة المسلمين، مهتم بشأن أهل الدين، سالك في ذلك سبيل العارفين، لا تأخذه في الحق لومة لائم، كثير المواساة، شديد الحرص على عمل الطاعات، نشأ نشأة صالحة، شاب لم تعرف له صبوة، يقظان حازم متفقد لإخوانه، متعطف على جيرانه، وطيء الأخلاق، سهل الجانب، حميد السيرة، جار في العبادة على وتيرة لا تعرف الميل وعادة كريمة، آخذ بالتوسط في جميع أموره، عالي الهمة في طاعة ربه، تهش له القلوب، ولا تكاد تنصرف عنه الأحداق، معظم في الصدور، محبوب عند الخاصة والجمهور، وكان والده رحمة الله عليه يتعرف فيه مخايل النجابة، وكان يقول: إنه سيكون لابني سليمان شأن، وذلك أنه كان في مدة رضاعه متى كانت أمه جنبًا لا يقبل ثدييها حتى تتطهر.

وحالته رضي الله عنه عجب، تفقهت عليه في شيء من رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وسمعت منه رعاية المحاسبي، وبعضًا من كتب التصوف، ولم يزل يظهر عليه في حلقات العلم من علو الإدراك ومحمود الألطاف، والتبري من حظ نفسه وترك المرآء والجدال، وجودة النظر، وإصابة الفهم، وقصد المعاني، وقرب المأخذ، ما انقطع به عن القرين وبذ أصحابه، وله من لطف العبارة وبيان القول وإظهار الحجة أوفر نصيب، فلم يزل مع إخوانه يرحمهم ويحفظ قلوبهم.

ومن حالته الغريبة وأخلاقه الكريمة، تفقد أحوال من غاب ومن حضر من إخوانه، وتكفلهم واستسلاف ما يعنيهم به إن لم يكن على ملكه، فيدفع عنهم مشاق الاحتياج، يفعل ذلك تبرعًا من غير سؤال، سجية وكرم جبلة.

فأما ما أظهره الله عز وجل عليه من كرامته التي تبرهن على كمال فضله وعظيم مزيته عند ربه، وتقيم الدليل على صدق حاله: ما حدثني به أبو زيد عبد الرحمن الطراز، وهو خاص به وقائم على خدمته، قال: كنت جالسًا يومًا بحانوتي فمر بي سيدي سليمان، واستدعاني فنزلت إليه مبادرًا، فتقدم وصرت خلفه ولا أعلم أين يريد، إلى أن خرجنا على باب الجيسة من أبواب فاس، وانتهينا إلى موضع فوق الطريق، فجلس وجلست بين يديه مدة، فمر بنا رجل وبين يديه دابة عليها حمل إدام، قال: فلما رأى ذلك الرجل نهض ونهضت معه، فأقبل على الرجل يحادثه ويؤنسه إلى أن دخلنا على الباب، فبادر البوابون إلى الدابة، فلما رأوه تأخروا عنها، وتقدم هو، وتأخرت أنا، وتأخرت الدابة، فقام أحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت