فهرس الكتاب
ولما تسامع القوم بإقباله، دبّ الفشل في تضاعيف أحشائهم، وسرى الوهل «1» في تفاريق أعضائهم، واستطار الخوف في مزاج دمائهم. ولما سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا [90 ب] رَبُّنا وَ يَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ «2» . فأبى الله إلا أن ينتقم منهم بسيف سيف الدولة، جزاء عن «3» فعلهم الفظيع، وخطبهم الشنيع، وسعيهم المذموم عند الجميع، فصبّه عليهم صبّ عزالي «4» الغيث بنوء المرزمين «5» ، غير أنه غيث قطره عيث «6» ، وغيم حشوه ضيم، وسحاب حمله عذاب. وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ «7» .
وبرز فائق وبكتوزون وأبو القاسم بن سيمجور بملواحهم «8» عبد الملك بن نوح وسائر أهل العسكر إلى ظاهر مرو، مقابلين لعسكر الأمير سيف الدولة يعلنان جلادة، ويسرّان بلادة، ويقدمان ظاهر العيون، ويحجمان خيفة الحرب الزبون «9» ، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فجيوب الأقطار عليهم مزرورة، وذيول الخذلان عليهم مجرورة، وبوارح الإدبار وجوائح الدمار، من كل أوب إليهم محشورة. وظل القوم على علم بأنهم يدمرون على الدمار، ويتهافتون تهافت الفراش في النار، ويقتلون الأنصار
(1) الفزع. ابن منظور- لسان العرب، مج 11، ص 737 (وهل) .
(2) سورة الأعراف، الآية 149.
(3) وردت في الأصل: على، والتصحيح من ب.
(4) جمع عزلاء: مصب الماء من القربة. ابن منظور- لسان العرب، مج 11، ص 443 (عزل) .
(5) المرزمان: نجمان من نجوم المطر. ابن منظور- لسان العرب، مج 12، ص 240 (رزم) .
(6) فساد. ابن منظور- لسان العرب، مج 2، ص 170 (عيث) .
(7) سورة هود، الآية 102.
(8) الملواح: الضامر الذي لا يسمن، والعطشان، والطير المتخذ وسيلة لصيد الصقور. ابن منظور- لسان العرب، مج 2، ص 585، ص 587 (لوح) . وأيا كان المطلوب، فالمقصود من هذا التعبير الاستهانة بالأمير عبد الملك بن نوح.
(9) الحرب تزبن الناس إذا صدمتهم. وحرب زبون أي تصدم الناس وتدفعهم. ابن منظور- لسان العرب، مج 13، ص 194 (زبن) .