وشدّ السلطان عليه الطلب، فركب المفازة «1» إلى مرو «2» مبقيا بالوحاء «3» على الحياة، ومستظهرا بالنّجاء «4» على النجاة. فخلص «5» إلى مرو فيمن أعانتهم فراهة المراكب، وقوة الصبر على وعثاء تلك المهارب، ورام أن يتملكها ويحتجز بها «6» ، فمانعه أهلها موالاة للسلطان، وشكرا لما وسعهم من العدل والإحسان، فشنّ عليهم [94 ب] غارة شعواء، وخبطهم بالسيوف خبط عشواء، وركب مفازة آمل حتى عبر النهر إلى بخارى.
ولما خلت «7» خراسان من بكتوزون وأصحابه، سرّب السلطان أرسلان الجاذب والي طوس إلى قهستان لنقضها عن أبي القاسم بن سيمجور إذ كان يظن الظنون في تدبيره، ويطمع في الارتياش عن تحسيره، فواقعه بها، وطرده إلى نواحي طبس «8» عنها.
وولّى السلطان أخاه الأمير نصر بن ناصر الدين سبكتكين قيادة الجيوش بخراسان، ورتبه بنيسابور على ما كان يليه آل سيمجور على قديم الزمان، وامتد إلى بلخ مستقر أبيه ناصر الدين، فاتخذها حضرة الملك ودار السلام.
ولما انتهى السلطان إلى بعض حدود مرو الروذ منصرفه إليها ركب على رسم
(1) الصحراء المتاخمة لساحل بحر خوارزم (آرال) الشرقي، بين فمي جيحون وسيحون. وتعرف بمفازة مرو، أو مفازة التركمان العزّ. وهي ليست المفازة الكبرى كما يتبادر للذهن. انظر: لسترنج- بلدان الخلافة، ص 487.
(2) وردت في ب: مرو الروذ، لكن سياق الحديث يوحي بأنها مرو الشاهجان، فهي التي في طريقه إلى آمل فبخارى كما سيذكر. وانظر أيضا: ابن الأثير- الكامل، ج 8، ص 4.
(3) العجلة والسرعة. يقولون: الوحاء الوحاء أي البدار البدار. ابن منظور- لسان العرب، مج 15، ص 382 (وحي) .
(4) السرعة. ابن منظور- لسان العرب، مج 15، ص 306 (نجا) .
(5) وردت في ب: وخلص.
(6) أي يمتنع بها.
(7) وردت في الأصل: دخلت، والتصحيح من ب.
(8) إحدى مدن قوهستان، سمّاها العرب طبس العنّاب، وسمّاها الفرس طبس مسينان. وهي ليست طبس خراسان.
انظر: الاصطخري- مسالك الممالك، ص 274؛ Hudud al -Alam ,P .103 ؛ مستوفي- نزهة القلوب، ص 145، 146؛ لسترنج- بلدان الخلافة، ص 402.