من هول المقام أن تذوق كؤوس الحمام قبل ذوقها بوقع السيوف والسهام.
و واصلا صبوح تلك الحروب بالغبوق، حتى هدما أحد أسوار الحصار، فوضعاه بالحضيض من وقع الجلاميد وصدم المجانيق. وتسلقها أهل العسكر منحين على سائر الأسوار كالعصم «1» واقلة في شمّ الهضاب، أو الأرانب هاربة من غضف «2» الكلاب.
و اشتبكت الحرب على تلك الحال ضربا بالسيوف القواضب، وأخذا باللحى والذوائب، حتى سالت المذانب من دفع النحور، واحمرّت المتالع من علق الصدور. ورأى «3» الشاه عند ذلك من هول المطّلع ما لم يكن ثم كان، فدعا الأمان الأمان. هيهات، إن غضاب النفوس إذا صادفت نجح المرام ووجه التشفي بالانتقام لموقورة «4» الآذان، أو تفعل أفعالها، وتنال من درك الثأر منالها. وما زالت تلك دعواه وهذه حالهم [186 أ] حتى أخذوه أسرا، واستنزلوه عنوة وقسرا، واستبيح ذلك الحريم بما حواه من درهم ودينار، ومال واستظهار.
و أخذ حاجبه ووزيره، بل نديمه وسميره، بل قليله وكثيره، فوضع عليه الدّهق «5» حتى أعفى بما عرفه من ذخائره، وخبره من ودائعه، وحلب عامة أوليائه وعماله والمتصرفين «6» في أمور أمواله، حتى عروا عن لباس اليسار، وعزّت أخلافهم دون الاستدرار. وقوطع أبو الحسن المنيعي «7» عن ارتفاعات الغرش «8» على ما علم ارتفاعاته منه قبل للشار،
(1) العصم جمع أعصم وهو الوعل. ابن منظور- لسان العرب، مج 12، ص 405 (عصم) .
(2) الغضف: كلاب الصيد. وكلب أغضف إذا صار مسترخي الأذن. ابن منظور- لسان العرب، مج 9، ص 267 (غضف) .
(3) وردت في الأصل: راه.
(4) وردت في ب: بموقورة.
(5) الدّهق: شدة الضغط، ومتابعة الشد. والدّهق: خشبتان يغمز بهما الساق. ابن منظور- لسان العرب، مج 10، ص 106 (دهق) .
(6) وردت بعدها في الأصل: كانوا.
(7) وردت في ب: المنيقي.
(8) وردت في ب: الفرش.