فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 779

وتحريف الكلام إمالته عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر لا يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح، فلا بد فيه من قرينة تبين أنه المراد.

وأما التعطيل: فالمراد منه هنا نفى الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذاته تعالى، فالفرق بين التحريف والتعطيل أن التعطيل نفى للمعنى الحق الّذي دل عليه الكتاب والسنة، وأما التحريف فهو تفسير النصوص بالمعانى الباطلة التي لا تدل عليها.

والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، فإن التعطيل أعم مطلقا من التحريف؛ بمعنى أنه كلما وجد التحريف وجد التعطيل دون العكس، وبذلك يوجدان معا فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق، ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة وزعم أن ظاهرها غير مراد ولكنه يعين لها معنى آخر وهو ما يسمونه بالتفويض.

ومن الخطأ القول بأن هذا- يعنى التفويض- هو مذهب السلف، كما نسب ذلك إليهم المتأخرون من الأشاعرة وغيرهم، فإن السلف لم يكونوا يفوضون في علم المعنى، ولا كانوا يقرءون كلاما لا يفهمون معناه، بل كانوا يفهمون معانى النصوص من الكتاب والسنة، ويثبتونها للّه عز وجل، ثم يفوضون فيما وراء ذلك من كنه الصفات أو كيفياتها، كما قال مالك حين سئل عن كيفية استوائه تعالى على العرش: «الاستواء معلوم والكيف مجهول» .

وأما قوله: (من غير تكييف ولا تمثيل) فالفرق بينهما أن التكييف أن يعتقد أن صفاته تعالى على كيفية كذا، أو يسأل عنها بكيف.

وأما التمثيل: فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين، وليس المراد من قوله من غير تكييف أنهم ينفون الكيف مطلقا، فإن كل شي ء لا بد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه أ ه. بتصرف.

ثم وجدت ما يؤيد كلامي هذا- والحمد للّه من قبل ومن بعد-، فمن ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت