فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 779

الرجل وإذا كان ليس من ألفاظ العموم فلم يوضع في غير موضعه، ولا استعمل إلا في موضوعه، ومن يجعله للعموم من أهل الأصول والفقهاء يقولون إنما يكون للعموم حيث يصلح أن تخلف اللام فيه كل نحو قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (العصر: 2) ، ونحو قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (المعارج: 19) ، ولهذا صح الاستثناء منه، وذلك حيث لا يكون عهد القرينة والسياق دالا على إرادة جميع أفراد الجنس، وهذا منتف في قوله: خرجت فإذا الأسد، فهو إنما يدل على العموم بقرينة، كما يدل على العهد بقرينة، فدعوى المجاز في بعض موارده دون بعض تحكم بارد لا معنى له، ودعوى المجاز في جميعها باطل، فلم يبق إلا أنه حقيقة حيث استعمل وهو الصواب.

الوجه العاشر: قوله: (خرجت فإذا الأسد) اتساع وتوكيد وتشبيه، أما الاتساع فإنه وضع اللفظة المعتادة للجماعة على الواحد، وأما التوكيد فلأنه عظم قدر (ذلك) الواحد بأن جاء باللفظة على اللفظ المعتاد للجماعة. وأما التشبيه فلأنه شبه الواحد بالجماعة.

ثم قال: وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر وانطلق محمد، وجاء الليل وانصرم النهار- خطأ من وجهين: (أحدهما) أنه مبني على أن الأسد دل على الجمع؛ وأنه تجوز فاستعمله في الواحد، وقد عرفت ما فيه، (الثاني) إنه لو صح له ذلك لم يكن قعد جعفر، وانطلق محمد، وجاء الليل مثله، فإن هذه الأفعال لا تدل على قعود وانطلاق ومجي ء عام لكل فرد البتة؛ بحيث يكون استعمالها فيمن وجد منه بعض ذلك الجنس مجازا، فليس ثم دلالتان عامة وخاصة بخلاف الأسد، فإنه يمكن تقدير دلالته عامة وخاصة له، فإذا استعمل في أحدهما يكون استعماله له في غير مدلوله الآخر، فكيف يمكن مثل ذلك في الأفعال؟ فهل يعقل ذو تحصيل لقام وقعد وانطلق دلالتين قط عامة وخاصة، وليس العجب من تسويد الورق بهذا الهذيان. وإنما العجب من أذهان تقبله وتستحسنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت