فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 779

والأسلاف، والثاني: الخوض فيما لا يدرك غوره، ويعجز الخائض عن الوصول إلى عمقه، فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخليط.

فأما الطريق الأول: فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه والصواب قد يخفى والتقليد سليم، وقد ضل في هذا التقليد خلق كثير، وبه هلاك عامة الناس، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم، فضلوا، وكذلك أهل الجاهلية ... ثم ذكر الكلام في ذم التقليد- ثم قال وأما الطريق الثاني: فإن إبليس لما تمكن من الأغبياء فورطهم في التقليد، وساقهم سوق البهائم، ثم رأى خلقا فيهم نوع ذكاء وفطنة، فاستغواهم على قدر تمكنه منهم، فمنهم من قبح عنده الجمود على التقليد، وأمره بالنظر، ثم استغوى كلا من هؤلاء بفن، فمنهم من أراه أن الوقوف مع ظواهر الشرائع عجز فساقهم إلى مذهب الفلاسفة، ولم يزل بهؤلاء حتى أخرجهم عن الإسلام، وقد سبق ذكرهم في الرد على الفلاسفة، ومن هؤلاء من حسن له ألا يعتقد إلا ما أدركته حواسه، فيقال لهؤلاء بالحواس علمتم صحة قولكم؟ فإن قالوا: نعم، كابروا، لأن حواسنا لم تدرك ما قالوا، إذ ما يدرك بالحواس لا يقع فيه خلاف، وإن قالوا بغير الحواس، ناقضوا قولهم.

ومنهم من نفره إبليس على التقليد، وحسن له الخوض في علم الكلام، والنظر في أوضاع الفلاسفة ليخرج بزعمه من غمار العوام، وقد تنزعت أحوال المتكلمين، وأفضى الكلام بأكثرهم إلى الشكوك، وببعضهم إلى الإلحاد.

ولم تسكت القدماء من فقهاء هذه الأمة عن الكلام عجزا، ولكنهم رأوا أنه لا يشفي غليلا، ثم يرد الصحيح عليلا، فأمسكوا عنه، ونهوا عن الخوض فيه حتى قال الشافعي رحمه اللّه: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى اللّه عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام، قال: وإذا سمعت الرجل يقول:

الاسم هو المسمى، أو غير المسمى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دين له، قال: وحكمي في علماء الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت