قلت: يريد الأحاديث المتواترة مثل: حديث ابن عمر هذا، ومثل: حديث البراء بن عازب الذي تقدم وفيه: «هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه يوم القيامة» ، ومثل حديث أنس أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم، وفيه أنه يرى مقعده من الجنة والنار، وأنه يفسح للمؤمن في قبره سبعين ذراعا ويضيق على الكافر، ومثل حديث جابر: إن هذه الأمة تبلى في قبورها، فإذا دخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملك (الحديث) وأنه يرى مقعده من الجنة فيقول: دعوني أبشر أهلي، فيقال له: أسكن فهذا مقعدك أبدا، ومثل سائر أحاديث عذاب القبر ونعيمه التي تقدمت، ومثل أحاديث السلام على أهل القبور وخطابهم ومعرفتهم بزيارة الأحياء لهم، وقد تقدم ذكر ذلك كله.
و هذا القول تردده السنّة الصحيحة والآثار التي لا مدفع لها، وقد تقدم ذكره، وكل ما ذكر من الأدلة فهو يتناول الأرواح التي هي في الجنة بالنص وفي الرفيق الأعلى.
و قد بينا أن عرض مقعد الميت عليه من الجنة والنار لا يدل على أن الروح في القبر ولا على فنائه دائما من جميع الوجوه، بل لها إشراف واتصال بالقبر وفنائه، وذلك القدر منها يعرض عليه مقعده، فإن للروح شأنا آخر يكون في الرفيق الأعلى في أعلى عليين، ولها اتصال بالبدن، بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد اللّه عليه روحه، فيرد عليه السلام، وهي في الملأ الأعلى، وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الموضع حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعد من الأجسام التي إذا شغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره.
و هذا غلط محض، بل الروح تكون فوق السماوات في أعلى عليين، وترد إلى القبر، فترد السلام وتعلم بالمسلم، وهي في مكانها هناك، وروح رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في الرفيق الأعلى، ويردها اللّه سبحانه إلى القبر فترد السلام على من سلم عليه وتسمع كلامه، وقد رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم موسى قائما يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة والسابعة، فإما أن تكون سريعة الحركة والانتقال كلمح البصر، وإما أن يكون المتصل منها بالقبر وفنائه بمنزلة شعاع الشمس وجرمها في السماء، وقد ثبت أن روح النائم تصعد