و قال الحسن بن يحيى الجرجاني: فاعترض معترض في هذا الفصل بحديث يروى عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «إن اللّه مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد ثم ردهم في ظهره» ، وقال: إن هذا مانع من جواز التأويل ذهبت إليه لامتناع ردهم في الظهر إن كان أخذ الميثاق عليهم بعد البلوغ وتمام العقل، قيل له: إن معنى ثم ردهم في ظهره ثم يردهم في ظهره كما قلنا إن معنى أخذ ربك: يأخذ ربك، فيكون معناه: ثم يردهم في ظهره بوفاتهم، لأنهم إذا ماتوا ردوا إلى الأرض للدفن، آدم خلق منها ردوا فيها، فإذا ردوا فيها فقد ردوا في آدم وفي ظهره، إذ كان آدم خلق منها وفيها رد، وبعض الشي ء من الشي ء، وفيما ذهبتم إليه من تأويل هذا الحديث على ظاهره تفاوت بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى إلا أن يرد تأويله إلى ما ذكرناه لأنه عز وجل قال:
وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «1» ولم يذكر آدم في الفصل إنما هو هاهنا مضاف إليه لتعريف ذريته أنهم أولاده، وفي الحديث: أنه «مسح ظهر آدم» ، فلا يمكن رد ما جاء في القرآن وما جاء في الحديث إلى الاتفاق إلا بالتأويل الذي ذكرناه.
قال الجرجاني: وأنا أقول: ونحن [نذهب] «2» إلى ما روي في الآية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وما ذهب إليه أهل العلم من السلف الصالح أمثل، وله أقبل وبه آنس، واللّه ولي التوفيق لما هو أولى وأهدى.
على أن بعض أصحابنا من أهل السنّة قد ذكر في الرد على هذا القائل معنى يحتمل ويسوغ في النظم الجاري ومجاز العربية بسهولة، وإمكان من غير تعسف ولا استكراه، وهو أن يكون قوله تعالى: وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مبتدأ خبر من اللّه عز وجل عما كان منه في أخذ العهد عليهم، وإذ تقتضي جوابا يجعل جوابه قوله تعالى: قالُوا بَلى وانقطع هذا الخبر بتمام قصته، ثم ابتدأ عز وجل خبرا آخر يذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة، فقالوا: شهدنا، يعني نشهد، كما قال الحطيئة:
شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
(1) سورة الأعراف، الآية 172.
(2) ساقطة في المطبوع.