فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 363

الحقيقة والمجاز، فلعل مرادهم دخل جسمي وخرج. لأنه إنما استدللنا بشهادة العقل والفطرة بمعاني هذه الألفاظ، فكل أحد يشهد عقله وحسه بأنه هو الذي دخل وخرج وانتقل، لا مجرد بدنه، فشهادة الحس والعقل بمعاني هذه الألفاظ وإضافتها إلى الروح أصلا وإلى البدن تبعا من أصدق الشهادات والاعتماد على ذلك لا على مجرد الإطلاق اللفظي.

الوجه السابع بعد المائة: أن البدن مركب ومحل لتصرف النفس، فكان دخول البدن وخروجه وانتقاله جاريا مجرى دخول مركبه من فرسه ودابته، فلو كانت النفس غير قابلة للدخول والخروج والانتقال والحركة والسكون لكان ذلك بمنزلة دخول مركب الإنسان إلى الدار وخروجه منها دون دخوله هو، وهذا معلوم البطلان بالضرورة، وكل أحد يعلم أن نفسه وروحه هي التي دخلت وخرجت وانتقلت وصرفت البدن وجعلته تبعا لها في الدخول والخروج، فهو لها بالأصل، وللبدن بالتبع، لكنه للبدن بالمشاهدة، والروح بالعلم والعقل.

الوجه الثامن بعد المائة: أن النفس لو كانت كما يقوله من يقول أنها عرض لكان الإنسان كل وقت قد يبدل مائة ألف نفس أو أكثر، والإنسان إنما هو إنسان بروحه ونفسه لا ببدنه، وكان الإنسان الذي هو الإنسان غير الذي هو قبله وبلحظة وبعده بلحظة، وهذا من نوع الهوس، ولو كانت الروح مجردة، وتعلقها بالبدن بالتدبير فقط لا بالمساكنة والمداخلة لم يمتنع أن ينقطع تعلقها بهذا البدن وتتعلق بغيره، كما يجوز انقطاع تدبير المدبر لبيت أو مدينة عنها، ويعلق بتدبير غيرها، وعلى هذا التدبير فنصير شاكين في أن هذه النفس التي لزيد هي النفس الأولى أو غيرها؟ وهل زيد هو ذلك الرجل أم غيره، وعاقل لا يجوز ذلك فلو كانت أو لروح عرضا أو أمرا مجردا لحصل الشك المذكور.

الوجه التاسع بعد المائة: أن كل أحد يقطع أن نفسه موصوفة بالعلم والفكر والحب والبغض والرضا والسخط وغيرها من الأحوال النفسانية، ويعلم أن الموصوف ليس بذلك عرضا من أعراض بدنه ولا جوهرا مجردا منفصلا عن بدنه غير مجاور له، ويقطع ضرورة بأن هذه إدراكات لأمر داخل في بدنه، كما يقطع بأنه إذا سمع وأبصر وشم وذاق ولمس وتحرك وسكن فتلك أمور قائمة به مضافة إلى نفسه، وإن جوهر النفس الذي هو قام به ذلك كله لم يقم بمجرد ولا بعرض،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت