فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 363

بل قام متحيز داخل العالم، منتقل من مكان إلى مكان، يتحرك ويسكن ويخرج ويدخل، وليس هذا إلا هذا البدن والجسم الساري فيه المشابك لو لاه لكان بمنزلة الجماد.

الوجه العاشر بعد المائة: أن النفس لو كانت مجردة وتعلقها بالبدن تعلق التدبير فقط كتعلق الملاح بالسفينة، والجمال بجمله لأمكنها ترك تدبير هذا البدن واشتغالها بتدبير بدن آخر، كما يمكن الملاح والجمال ذلك، وفي ذلك تجويز نقل النفوس من أبدان إلى أبدان، ولا يقال أن النفس اتحدت ببدنها فامتنع عليها الانتقال، أو أنها لها عشق طبيعي وشوق ذاتي إلى تدبير هذا البدن، فلهذا السبب امتنع انتقالها، لأنا نقول: اتحاد ما لا يتحيز بالمتحيز محال. ولأنها لو اتحدت به لبطلت ببطلانه، ولأنها بعد الاتحاد إن بقيا فهما اثنان لا واحد، وإن عدما معا وحدث ثالث فليس من الاتحاد في شي ء، وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فليس باتحاد أيضا. وأما عشق النفس الطبيعي للبدن فالنفس إنما تعشقه لأنها تتناول اللذات بواسطته، وإذا كانت الأبدان متساوية في حصول مطلوبها كانت نسبتها إليها على السواء، فقولكم إن النفس المعينة عاشقة للبدن المعين باطل، ومثال ذلك العطشان إذا صادف آنية متساوية كل منها يحصل غرضه امتنع عليه أن يعشق واحدا بعينه دون سائرها.

الوجه الحادي عشر بعد المائة: أن نفس الإنسان لو كانت جوهرا مجردا لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلة بالعالم ولا منفصلة عنه ولا مباينة ولا مجانبة لكان يعلم بالضرورة أنه موجود بهذه الصفة، لأن علم الإنسان بنفسه وصفاتها أظهر من كل معلوم، وأن علمه بما عداه تابع لعلمه بنفسه، ومعلوم قطعا أن ذلك باطل، فإن جماهير أهل الأرض يعلمون أن إثبات هذا المجود محال في العقول شاهدا وغائبا، فمن قال ذلك في نفسه وربه فلا نفسه عرف ولا ربه عرف.

الوجه الثاني عشر بعد المائة: أن هذا البدن المشاهد محل لجميع صفات النفس وإدراكاتها الكلية والجزئية، ومحل للقدرة على الحركات الإرادية، فوجب أن يكون الحامل لتلك الإدراكات والصفات هو البدن وما سكن فيه. أما أن يكون محلها جوهرا مجردا لا داخل العالم ولا خارجه فباطل بالضرورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت