فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 363

السادس: إن كل واحد يدرك نفسه، وإدراك الشي ء عبارة عن حضور ماهية العلوم عند العالم، فإذا علمنا أنفسنا فهو إما أن يكون لأجل حضور ذواتنا لذواتنا أو لأجل حضور صورة مساوية لذواتنا في ذواتنا، والقسم الثاني باطل، وإلا لزم اجتماع المثلين، فثبت أنه لا معنى لعلمنا بذاتنا إلا حضور ذاتنا عند ذاتنا، وهذا إنما يكون إذا كانت ذاتا قائمة بالنفس غنية عن المحل، لأنها لو كانت حالة في محل كانت حاضرة عند ذلك المحل، فثبت أن هذا المعنى إنما يحصل إذا كانت النفس قائمة بنفسها غنية عن محل تحل فيه.

السابع: ما احتج به أبو البركات البغدادي وأبطل ما سواه فقال: لا نشك أن الواحد منا يمكنه أن يتخيل بحرا من زئبق، وجبلا من ياقوت، وشمسا وأقمارا فهذه الصور الخيالية لا تكون معدومة، لأن قوة المتخيل تشير إلى تلك الصور وتميز بين كل صورة وغيرها، وقد يقوى ذلك المتخيل إلى أن يصير كالمشاهد المحسوس، ومعلوم أن العدم المحض والنفي الصرف لا يثبت ذلك، ونحن نعلم بالضرورة أن هذه الصور ليست موجودة في الأعيان، فثبت أنها موجودة في الأذهان، فنقول محل هذه الصورة إما أن يكون جسما أو حالا في الجسم، أو لا جسما ولا حالا في الجسم، والقسمان الأولان باطلان، لأن صورة البحر والجبل صورة عظيمة، والدماغ والقلب جسم صغير، وانطباع العظيم في الصغير محال، فثبت أن محل هذه الصورة الخيالية ليس بجسم ولا جسماني.

الثامن: لو كانت القوة العقلية جسدانية لضعفت في زمان الشيخوخة دائما وليس كذلك.

التاسع: أن القوة العقلية غنية في أفعالها عن الجسم، وما كان غنيا في فعله عن الجسم وجب أن يكون غنيا في ذاته عن الجسم. بيان الأول: أن القوة العقلية تدرك نفسها، ومن المحال أن يحصل بينها وبين نفسها آلة متوسطة أيضا، وتدرك إدراكها لنفسها، وليس هذا الإدراك بآلة. وأيضا فإنها تدرك الجسم الذي هو آلتها وليس بينها وبين آلتها آلة أخرى.

و بيان الثاني من وجهين:

أحدهما: أن القوى الجسمانية كالنظرة والسامعة الخيال والوهم لما كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت