و بين تحريكها زمان على قدر حركة الجسم وثقله، فإن النفس هي المحركة للجسد والممهد لحركته، فلو كان المحرك للرجل جسما فإما أن يكون حاصلا في هذه الأعضاء أو جائيا إليها، فإن كان جائيا احتاج إلى مدة ولا بدّ، وإن كان حاصلا فيها فنحن إذا قطعنا تلك العضلة التي تكون بها الحركة لم يبق منها في العضو المتحرك شي ء، فلو كان ذلك المتحرك حاصلا فيه لبقي منه شي ء في ذلك العضو.
الخامس عشر: لو كانت النفس جسما لكانت منقسمة، ولصح عليها أن يعلم بعضها كما يعلم كلها، فيكون الإنسان عالما ببعض نفسه جاهلا بالبعض الآخر وذلك محال.
السادس عشر: لو كانت النفس جسما لوجب أن يثقل البدن بدخولها فيه، لأن شأن الجسم الفارغ إذا ملأ غيره أن يثقل به كالزق الفارغ والأمر بالعكس، فأخف ما يكون البدن إذا كانت فيه النفس وأثقل ما يكون إذا فارقته.
السابع عشر: لو كانت النفس جسما لكانت على صفات سائر الأجسام التي لا يخلو شي ء منها من الخفة والثقل والحرارة والبرودة والنعومة والخشونة والسواد والبياض وغير ذلك من صفات الأجسام وكيفياتها، ومعلوم أن الكيفيات النفسانية إنما هي الفضائل والرذائل لا تلك الكيفيات الجسمانية، فالنفس ليست جسما.
الثامن عشر: أنها لو كانت جسما لوجب أن يقع تحت جميع الحواس أو تحت حاسة منها أو حاستين أو أكثر، فإنا نرى الأجسام كذلك، منها ما يدرك بجميع الحواس، ومنها ما يدرك بأكثرها، ومنها ما يدرك بحاستين منها أو واحدة، والنفس بريئة من ذلك كله، وهذه الحجة التي احتج بها جهم «1» على طائفة من الملاحدة حين أنكروا الخالق سبحانه وقالوا: لو كان موجودا لوجب أن يدرك بحاسة من الحواس، فعارضهم بالنفس وأنى تتم المعارضة إذا كانت جسما وإلا لو كانت جسما لجاز إدراكها ببعض الحواس.
التاسع عشر: لو كانت جسما لكانت ذات طول وعرض وعمق وسطح وشكل، وهذه المقادير والأبعاد لا تقوم إلا بمادة ومحل، فإن كانت مادتها ومحلها
(1) أي جهم بن صفوان.