وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ. وَلَنَا أَنَّهَا مُدَّةٌ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الِابْتِدَاءِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَجَرْتُك دَارِي مِنْ حِينِ يَخْرُجُ الْحَاجُّ إلَى آخِرِ السَّنَةِ. وَقَدْ اعْتَرَفُوا بِمُخَالَفَتِهِ لِلدَّلِيلِ، وَمَا ادَّعَوْهُ دَلِيلًا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ دَلِيلًا.
(4161) فَصْلٌ: الْحُكْمُ الثَّالِثُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي عِوَضِ الْإِجَارَةِ كَوْنُهُ مَعْلُومًا. لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {: مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ} . وَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالصِّفَةِ كَالْبَيْعِ سَوَاءً. فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ دُونَ الْقَدْرِ، كَالصُّبْرَةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، أَشْبَهَهُمَا الْجَوَازُ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَعْلُومٌ يَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ، فَجَازَتْ بِهِ الْإِجَارَةُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ قَدْرَهُ
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بَعْدَ تَلَفِ الصُّبْرَةِ، فَلَا يَدْرِي بِكَمْ يَرْجِعُ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ كَعِوَضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْقَدْرِ فِي عِوَضِ السَّلَمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَنْفَعَةَ هَا هُنَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ ; لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ، وَالسَّلَمُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ، فَافْتَرَقَا، وَلِلشَّافِعِيِّ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ.
(4162) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ، جَازَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ عَيْنًا وَمَنْفَعَةً أُخْرَى، سَوَاءٌ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا، كَمَنْفَعَةِ دَارٍ بِمَنْفَعَةِ أُخْرَى، أَوْ مُخْتَلِفًا، كَمَنْفَعَةِ دَارٍ بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَرِيَ بِطَعَامٍ مَوْصُوفٍ مَعْلُومٍ. وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: {إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} فَجَعَلَ النِّكَاحَ عِوَضَ الْإِجَارَةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ; فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ: لَا تَجُوزُ إجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى أُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ، كَسُكْنَى دَارٍ بِمَنْفَعَةِ بَهِيمَةٍ ; لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ عِنْدِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ. وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الْإِجَارَةَ بِطَعَامٍ مَوْصُوفٍ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، فَجَازَ فِي الْإِجَارَةِ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَيْسَتْ فِي تَقْدِيرِ النَّسِيئَةِ، وَلَوْ كَانَتْ نَسِيئَةً مَا جَازَ فِي جِنْسَيْنِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينٍ.
(4163) فَصْلٌ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَسْلُخَ لَهُ بَهِيمَةً بِجِلْدِهَا، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلْ يَخْرُجُ الْجِلْدُ سَلِيمًا أَوْ لَا، وَهَلْ هُوَ ثَخِينٌ أَوْ رَقِيقٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ، كَسَائِرِ الْمَجْهُولَاتِ. فَإِنْ سَلَخَهُ بِذَلِكَ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ. وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِطَرْحِ مَيْتَةٍ بِجِلْدِهَا، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْفَسَادِ ; لِأَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَقَدْ خَرَجَ بِمَوْتِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِلْكًا. وَإِنْ فَعَلَ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ أَيْضًا.
(4164) فَصْلٌ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَاعِيًا لِغَنَمٍ بِثُلُثِ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا، أَوْ نِصْفِهِ، أَوْ جَمِيعِهِ، لَمْ