عِوَضٌ فِي عَقْدٍ يَتَعَجَّلُ بِالشَّرْطِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَجَّلَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا. فَأَمَّا الْآيَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِيتَاءَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِرْضَاعِ، أَوْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . أَيْ إذَا أَرَدْت الْقِرَاءَةَ. وَلِأَنَّ هَذَا تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَلَا يَقُولُونَ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِيتَاءِ فِي وَقْتٍ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ قَبْلَهُ، كَقَوْلِهِ: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}
وَالصَّدَاقُ يَجِبُ قَبْلَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا تَوَعَّدَ عَلَى تَرْكِ الْإِيفَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ، وَقَدْ قُلْتُمْ: تَجِبُ الْأُجْرَةُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَوَعَّدَهُ عَلَى تَرْكِ الْإِيفَاءِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ فِيهِ عَادَةً. جَوَابٌ آخَرُ، أَنَّ الْآيَةَ وَالْأَخْبَارَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ، فَأَمَّا مَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ فِيهِ عَلَى مُدَّةٍ، فَلَا تَعَرُّضَ لَهَا بِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ، فَإِنَّ الْأَجْرَ يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ أَيْضًا، لَكِنْ لَا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُهُ إلَّا عِنْدَ تَسْلِيمِ الْعَمَلِ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ، اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عِنْدَ إيفَاءِ الْعَمَلِ، وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي كُلّ يَوْمٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَلَهُ أَجْرُ كُلِّ يَوْمٍ عِنْدَ تَمَامِهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْأَجْرُ يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ، وَيُسْتَحَقُّ بِالتَّسْلِيمِ، وَيَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ اسْتِحْقَاقُ تَسْلِيمِهِ عَلَى الْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ، فَلَا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُهُ إلَّا مَعَ تَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ، كَالصَّدَاقِ وَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ، وَفَارَقَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْأَعْيَانِ ; لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِ نَفْعِهَا، وَمَتَى كَانَ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَحْصُلْ تَسْلِيمُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَتَوَقَّفَ اسْتِحْقَاقُ تَسْلِيمِ الْأَجْرِ عَلَى تَسْلِيمِ الْعَمَلِ
وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَمْلِكْ الْمَنَافِعَ. قَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلِ: فَإِنَّ الْمُؤَجِّرَ إذَا قَبَضَ الْأَجْرَ، انْتَفَعَ بِهِ كُلِّهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ كُلِّهَا. قُلْنَا: لَا يَمْتَنِعُ هَذَا، كَمَا لَوْ شَرَطَا التَّعْجِيلَ، أَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا.
(4167) فَصْلٌ: الْحُكْمُ السَّادِسُ، أَنَّهُ إذَا شَرَطَ تَأْجِيلَ الْأَجْرِ، فَهُوَ إلَى أَجَلِهِ، وَإِنْ شَرَطَهُ مُنَجَّمًا يَوْمًا يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا شَهْرًا، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، فَهُوَ عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ إجَارَةَ الْعَيْنِ كَبَيْعِهَا، وَبَيْعُهَا يَصِحُّ بِثَمَنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ، فَكَذَلِكَ إجَارَتُهَا.
(4168) فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ، اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ ; لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْبَدَلُ، كَمَا لَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ. وَإِنْ سُلِّمَتْ إلَيْهِ الْعَيْنُ الَّتِي وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ، وَلَا حَاجِزَ لَهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ، اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ، وَهِيَ حَقُّهُ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بَدَلُهَا، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ، فَتَسَلَّمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، مِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى حِمْصَ، فَقَبَضَهَا، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ رُكُوبُهَا فِيهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ