فهرس الكتاب

الصفحة 1744 من 3896

فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَ فِي الْمَنْفَعَةِ بِمِثْلِهِ، وَلَا بِمَنْ هُوَ دُونَهُ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِيمَنْ شَرَطَ أَنْ يَزْرَعَ فِي الْأَرْضِ حِنْطَةً، وَلَا يَزْرَعَ غَيْرَهَا: يَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ الشَّرْطُ. وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَجِّرِ، فَلَا يَمْلِكُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَخْصِيصِهِ بِاسْتِيفَاءِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ، وَقَالُوا فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ: يَبْطُلُ الشَّرْطُ

لِأَنَّهُ يُنَافِي مُوجَبَ الْعَقْدِ، إذْ مُوجَبُهُ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ، وَالتَّسَلُّطُ عَلَى اسْتِيفَائِهَا بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ، وَاسْتِيفَاءُ بَعْضِهَا بِنَفْسِهِ، وَبَعْضِهَا بِنَائِبِهِ، وَالشَّرْطُ يُنَافِي ذَلِكَ، فَكَانَ بَاطِلًا. وَهَلْ يَبْطُلُ بِهِ الْعَقْدُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا، لَا يُبْطِلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، فَأُلْغِيَ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ عَلَى مُقْتَضَاهُ. وَالْآخَرُ يُبْطِلُهُ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَ الْمَنَافِعَ.

(4214) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ إذَا قَبَضَهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْي. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ

وَالْمَنَافِعُ لَمْ تَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ. وَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَالْأُوَلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ قَبْضَ الْعَيْنِ قَامَ مَقَامَ قَبْضِ الْمَنَافِعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ. وَيَبْطُلُ قِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِهَذَا الْأَصْلِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ إلَّا لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَوْ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ ; لِمَا تَقَدَّمَ. فَأَمَّا إجَارَتُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَجِّرِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ

وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَمْلُوكَةٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَاعْتُبِرَ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا الْقَبْضُ، كَالْأَعْيَانِ. وَالْآخَرُ، يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ; لِأَنَّ قَبْضَ الْعَيْنِ لَا يَنْتَقِلُ بِهِ الضَّمَانُ إلَيْهِ، فَلَمْ يَقِفْ جَوَازُ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا إجَارَتُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ الْمُؤَجِّرِ، فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَجِّرِ كَانَ فِيهَا هَاهُنَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا قَبْلَ قَبْضِهَا

وَالثَّانِي يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. وَأَصْلُهُمَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهَلْ يَصِحُّ مِنْ بَائِعِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَأَمَّا إجَارَتُهَا بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ الْمُؤَجِّرِ، فَجَائِزَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْكِرَاءِ، فَإِذَا اكْتَرَاهَا صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لِمَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ. وَلَنَا أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ مَعَ غَيْرِ الْعَاقِدِ جَازَ مَعَ الْعَاقِدِ، كَالْبَيْعِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ حَصَلَ، وَهَذَا الْمُسْتَحَقُّ لَهُ تَسْلِيمٌ آخَرُ

ثُمَّ يَبْطُلُ بِالْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا اسْتَحَقَّ تَسْلِيمَهَا. فَإِنْ قِيلَ: التَّسْلِيمُ هَاهُنَا مُسْتَحَقٌّ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. قُلْنَا الْمُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ، وَقَدْ حَصَلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْلِيمٌ آخَرُ، غَيْرَ أَنَّ الْعَيْنَ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ الْمَنَافِعُ بِتَلَفِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت