فهرس الكتاب

الصفحة 1917 من 3896

عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَعَا الْقَافَةَ فَنَظَرُوهُ، فَقَالُوا: نَرَاهُ يُشْبِهُهُمَا. فَأَلْحَقَهُ بِهِمَا، وَجَعَلَهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ. قَالَ سَعِيدٌ: عَصَبَتُهُ الْبَاقِي مِنْهُمَا. وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ عُمَرَ لَا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ، وَإِنْ صَحَّ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ قَوْلَ الْقَافَةِ لَأَمْرٍ آخَرَ، إمَّا لِعَدَمِ ثِقَتِهِمَا، وَإِمَّا لِأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِمَا وَاخْتِلَافِهِمَا مَا يُوجِبُ تَرَكَهُ، فَلَا يَنْحَصِرُ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِمَا فِي أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِيهِ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، وَرِثَهُمَا وَوَرِثَاهُ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا، وَنَسَبُهُ مِنْ الْأَوَّلِ قَائِمٌ، لَا يُزِيلُهُ شَيْءٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ:"هُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا". وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ يَرِثُهُ مِيرَاثَ أَبٍ كَامِلٍ، كَمَا أَنَّ الْجَدَّةَ إذَا انْفَرَدَتْ أَخَذَتْ مَا يَأْخُذُهُ الْجَدَّاتُ، وَالزَّوْجَةُ تَأْخُذُ وَحْدَهَا مَا يَأْخُذُهُ جَمِيعُ الزَّوْجَاتِ.

(4579) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ، فَأَلْحَقَتْهُ بِهِمْ الْقَافَةُ، فَنَصَّ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، أَنَّهُ يُلْحَقُ بِثَلَاثَةٍ. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ وَإِنْ كَثُرُوا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ; لِأَنَّا صِرْنَا إلَى ذَلِكَ لِلْأَثَرِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا. وَلَنَا أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ لَحِقَ بِاثْنَيْنِ، مَوْجُودٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُلْحَقَ مِنْ اثْنَيْنِ، جَازَ أَنْ يُلْحَقَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ إلْحَاقَهُ بِالِاثْنَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِي غَيْرِهِ، فَيَجِبُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِهِ، كَمَا أَنَّ إبَاحَةَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ أُبِيحَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُقَاسَ عَلَى ذَلِكَ مَالُ غَيْرِهِ، وَالصَّيْدُ الْحَرَمِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، لِوُجُودِ الْمَعْنَى، وَهُوَ إبْقَاءُ النَّفْسِ، وَتَخْلِيصُهَا مِنْ الْهَلَاكِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِثَلَاثَةِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، فَتَحَكُّمٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلَا عَدَّى الْحُكْمَ إلَى كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى، وَلَا نَعْلَمُ فِي الثَّلَاثَةِ مَعْنًى خَاصًّا يَقْتَضِي إلْحَاقَ النَّسَبِ بِهِمْ، فَلَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ.

(4580) فَصْلٌ: وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ، أَوْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَيْهَا، أَوْ تَعَارَضَتْ أَقْوَالُهَا، أَوْ وُجِدَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ، لَمْ يُرَجَّحْ أَحَدُهُمَا بِذِكْرِ عَلَامَةٍ فِي جَسَدِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُرَجَّحُ بِهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، سِوَى الِالْتِقَاطِ فِي الْمَالِ وَاللَّقِيطِ، وَيَضِيعُ نَسَبُهُ. هَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ. وَقَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي رَجُلَيْنِ وَقَعَا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، إلَى أَنَّ الِابْنَ يُخَيَّرُ أَيَّهُمَا أَحَبَّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، قَالَ: يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيَنْتَسِبُ إلَى مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: حَتَّى يُمَيِّزَ ; لِقَوْلِ عُمَرَ: وَالِ أَيَّهمَا شِئْت. وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمِيلُ بِطَبْعِهِ إلَى قَرِيبِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ نَسَبُهُ، أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِقْرَارِ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُلْحَقُ بِالْمُدَّعِيَيْنِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا، وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا، وَجَبَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ. وَلَنَا أَنَّ دَعْوَاهُمَا تَعَارَضَتَا، وَلَا حُجَّةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَمْ تَثْبُتْ، كَمَا لَوْ ادَّعَيَا رِقَّهُ. وَقَوْلُهُمْ: يَمِيلُ بِطَبْعِهِ إلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت