فهرس الكتاب

الصفحة 1969 من 3896

مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ، فَفِيمَا قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدْ التَّبَرُّعُ وَلَا الْعَطِيَّةُ، بِخِلَافِ الْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ الْعَطِيَّةُ مِنْهُ، وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُعْطِي، وَالْقَبْضُ، فَلَزِمَتْ كَالْوَصِيَّةِ إذَا قُبِلَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقُبِضَتْ. الثَّانِي، أَنَّ قَبُولَهَا عَلَى الْفَوْرِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُعْطِي وَكَذَلِكَ رَدُّهَا، وَالْوَصَايَا لَا حُكْمَ لِقَبُولِهَا وَلَا رَدِّهَا إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْعَطِيَّةَ تُصْرَفُ فِي الْحَالِ، فَتُعْتَبَرُ شُرُوطُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاعْتُبِرَ شُرُوطُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ

الثَّالِثُ، أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِهَا الْمَشْرُوطَةِ لَهَا فِي الصِّحَّةِ ; مِنْ الْعِلْمِ، وَكَوْنُهَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ وَغَرَّرَ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ، وَالْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ. الرَّابِعُ، أَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ، إلَّا فِي الْعِتْقِ، فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْهُمْ تَقْدِيمُهُ، لِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَسْرِي وَقْفُهُ، وَيَنْفُذُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ. وَلَنَا، أَنَّ الْعَطِيَّةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصِيَّةِ، كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ.

وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ بِثَمَرَةٍ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْعِتْقِ، كَعَطِيَّةِ الصَّدَقَةِ، وَكَمَا لَوْ تَسَاوَى الْحَقَّانِ. الْخَامِسُ، أَنَّ الْعَطَايَا إذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِهَا، بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلُ عِتْقًا أَوْ غَيْرَهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْجَمِيعُ سَوَاءٌ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ، وَكَانَتْ الْمُحَابَاةُ مُتَقَدِّمَةً قُدِّمَتْ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ سُوِّيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ حَقٌّ آدَمِيٌّ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ، فَقُدِّمَتْ، إذَا تَقَدَّمَتْ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِذَا تَسَاوَى جِنْسُهَا سُوِّيَ بَيْنَهَا ; لِأَنَّهَا عَطَايَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، فَسُوِّيَ بَيْنَهَا، كَالْوَصِيَّةِ

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ، تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا عَطِيَّتَانِ مُنَجَّزَتَانِ، فَكَانَتْ أُولَاهُمَا أَوْلَى، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُولَى مُحَابَاةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ عِتْقًا عِنْدَ صَاحِبَيْهِ. وَلِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمُنَجَّزَةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي، فَإِذَا كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الثُّلُثِ، لَزِمَتْ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، فَلَوْ شَارَكَتْهَا الثَّانِيَةُ، لَمَنَعَ ذَلِكَ لُزُومَهَا فِي حَقِّ الْمُعْطِي ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْ بَعْضِهَا بِعَطِيَّةٍ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْوَصَايَا، فَإِنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمَوْتِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، فَاسْتَوَيَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حَالِ لُزُومِهِمَا، بِخِلَافِ الْمُنَجَّزَتَيْنِ

وَمَا قَالَهُ فِي الْمُحَابَاةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَاوَضَةِ أَوْ الدَّيْنِ لَمَا كَانَتْ مِنْ الثُّلُثِ. فَأَمَّا إنْ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، كَأَنْ وَكَّلَ جَمَاعَةً فِي هَذِهِ التَّبَرُّعَاتِ، فَأَوْقَعُوهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا عِتْقًا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَكَمَّلْنَا الْعِتْقَ كُلَّهُ فِي بَعْضِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مِنْ غَيْرِ الْعِتْقِ، قَسَمْنَا الثُّلُثَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ عَطَايَاهُمْ، لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَقُسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ

وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِي الْعِتْقِ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْعِتْقِ يُكْمِلُ الْأَحْكَامَ، وَلَا تَكْمُلُ الْأَحْكَامُ إلَّا بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ بِخِلَافِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت