فهرس الكتاب
وَالْحُقُوقِ ; فَأَمَّا إنْ كَانَ كَتَبَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: قَدْ خَرَّجَهَا الْقَاضِي الشَّرِيفُ فِي"الْإِرْشَادِ"عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا، يَقَعُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْحَكَمِ ; لِمَا ذَكَرْنَا وَالثَّانِيَةُ: لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مُحْتَمِلَةٌ، فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِهَا تَجْرِبَةُ الْقَلَمِ، وَتَجْوِيدُ الْخَطِّ، وَغَمُّ الْأَهْلِ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ
فَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أَوْ تَجْرِبَةَ قَلَمِهِ، لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى بِاللَّفْظِ غَيْرَ الْإِيقَاعِ، لَمْ يَقَعْ، فَالْكِتَابَةُ أُولَى وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُقْبَلُ أَيْضًا فِي الْحُكْمِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي اللَّفْظ الصَّرِيحِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; فَهَاهُنَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظِ أُولَى وَإِنْ قَالَ: نَوَيْت غُمَّ أَهْلِي فَقَدْ قَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فِي مَنْ كَتَبَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ، وَنَوَى الطَّلَاقَ: وَقَعَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَغُمَّ أَهْلَهُ، فَقَدْ عَمِلَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا يَعْنِي أَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ اللَّهَ عَفَا لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ} فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ ; لِأَنَّ غَمَّ أَهْلِهِ يَحْصُلُ بِالطَّلَاقِ، فَيَجْتَمِعُ غَمُّ أَهْلِهِ وَوُقُوعُ طَلَاقِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يُرِيدُ بِهِ غَمَّهَا
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ غَمَّ أَهْلِهِ بِتَوَهُّمِ الطَّلَاقِ، دُونَ حَقِيقَتِهِ، فَلَا يَكُونُ نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ، وَالْخَبَرُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُؤَاخَذَتِهِ بِمَا نَوَاهُ عِنْدَ الْعَمَلِ بِهِ، أَوْ الْكَلَامِ، وَهَذَا لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ
(6023) فَصْلٌ: وَإِنْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ لَا يَبِينُ مِثْلُ أَنْ كَتَبَ بِأُصْبُعِهِ عَلَى وِسَادَةٍ، أَوْ فِي الْهَوَاءِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَقَعُ وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ الشَّعْبِيِّ ; لِأَنَّهُ كَتَبَ حُرُوفَ الطَّلَاقِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ يَبِينُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الَّتِي لَا تَبِينُ، كَالْهَمْسِ بِالْفَمِ، بِمَا لَا يَتَبَيَّنُ، وَثَمَّ لَا يَقَعُ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
(6024) فَصْلٌ: إذَا كَتَبَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ اسْتَمَدَّ، فَكَتَبَ: إذَا أَتَاك كِتَابِي أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ، أَوْ اسْتِثْنَاءٍ، وَكَانَ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ لِلطَّلَاقِ مُرِيدًا لِلشَّرْطِ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ، بَلْ نَوَاهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ نَوَى الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ، غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطِ، طَلُقَتْ لِلْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَقُلْنَا: إنَّ الْمُطْلَقَ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَ اسْتِمْدَادًا لِحَاجَةٍ، أَوْ عَادَةٍ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَدْرَكَهُ النَّفَسُ، أَوْ شَيْءٌ يُسْكِتُهُ، فَسَكَتَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى بِشَرْطِ تَعَلَّقَ بِهِ، فَالْكِتَابَةُ أَوْلَى وَإِنْ اسْتَمَدَّ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا عَادَةٍ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ سَكَتَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ شَرْطًا وَإِنْ قَالَ: إنَّنِي كَتَبْتُهُ مُرِيدًا لِلشَّرْطِ فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ قَبْلَ الشَّرْط إلَّا أَنَّهُ يَدِينُ وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِي مَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت تَعْلِيقَهُ عَلَى شَرْطٍ وَإِنْ كَتَبَ إلَى امْرَأَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ وَصَلَ إلَيْهَا الْكِتَابُ، أَوْ لَمْ يَصِلْ وَعِدَّتُهَا مِنْ حِينَ كَتَبَهُ وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهَا: إذَا وَصَلَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَتَاهَا الْكِتَابُ، طَلُقَتْ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهَا، وَإِنْ ضَاعَ وَلَمْ يَصِلْهَا، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُصُولُهُ وَإِنْ ذَهَبَتْ كِتَابَتُهُ بِمَحْوٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَوَصَلَ الْكَاغَدُ، لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكِتَابٍ وَكَذَلِكَ إنْ انْطَمَسَ مَا