فهرس الكتاب

الصفحة 2622 من 3896

وَإِذَا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ بِنْتَ تِسْعِ سِنِينَ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ; لِأَنَّ حَمْلَهَا مُمْكِنٌ. وَلَنَا، أَنَّ الْحَمْلَ بِدُونِ الْوَطْءِ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً، فَكَانَ تَعْلِيقُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إيلَاءً، كَصُعُودِ السَّمَاءِ. وَدَلِيلُ اسْتِحَالَتِهِ قَوْلُ مَرْيَمَ {: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} . وَقَوْلُهُمْ {: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} وَلَوْلَا اسْتِحَالَتُهُ لَمَا نَسَبُوهَا إلَى الْبِغَاءِ بِوُجُودِ الْوَلَدِ، وَأَيْضًا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الِاعْتِرَافُ.

وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْحَبَلَ لَا يُوجَدُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ. فَإِنْ قَالُوا: يُمْكِنُ حَبَلُهَا مِنْ وَطْءِ غَيْرِهِ، أَوْ بِاسْتِدْخَالِ مَنِيِّهِ. قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ ; فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ: لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَحْبَلِي مِنْ غَيْرِي، أَوْ: مَا دُمْت فِي نِكَاحِي. أَوْ: حَتَّى تَزْنِي. كَانَ مُولِيًا، وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ مِنْ الْمُسْتَحِيلَاتِ عَادَةً، إنْ وُجِدَ كَانَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ: إنَّ الْمَنِيَّ إذَا بَرَدَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْهُ وَلَدٌ. وَصَحَّحَ قَوْلَهُمْ قِيَامُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا، وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ عَلَى وَفْقِ مَا قَالُوهُ.

وَإِذَا كَانَ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا أَوْ مَوْتِ زَيْدٍ إيلَاءً، فَتَعْلِيقُهُ عَلَى حَبَلِهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ أَوْلَى. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: حَتَّى تَحْبَلِي. السَّبَبِيَّةَ، وَلَمْ أُرِدْ الْغَايَةَ. وَمَعْنَاهُ لَا أَطَؤُكِ لِتَحْبَلِي. قُبِلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَالِفٌ عَلَى قَصْدِ تَرْكِ الْحَبَلِ بِهِ، فَإِنَّ حَتَّى تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ.

(6108) فَصْلٌ: وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى غَيْرِ مُسْتَحِيلٍ، فَذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَقِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِنَّ لَهَا عَلَامَاتٍ تَسْبِقُهَا، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: حَتَّى تَأْتِي الْهِنْدَ. أَوْ نَحْوَهُ. فَهَذَا مُولٍ ; لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. الثَّانِي، مَا الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَالدَّابَّةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، أَوْ يَقُولُ: حَتَّى أَمُوتَ. أَوْ: تَمُوتِي. أَوْ: يَمُوتَ وَلَدُك. أَوْ: زَيْدٌ. أَوْ: حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ مِنْ مَكَّةَ. وَالْعَادَةُ أَنَّهُ لَا يَقْدَمُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَيَكُونُ مُولِيًا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي نِكَاحِي هَذَا. وَكَذَلِكَ لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَرَضِهَا، أَوْ مَرَضِ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ. الثَّالِثُ - أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى أَمْرٍ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُوجَدَ، احْتِمَالًا مُتَسَاوِيًا، كَقُدُومِ زَيْدٍ مِنْ سَفَرٍ قَرِيبٍ، أَوْ مِنْ سَفَرٍ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، فَهَذَا لَيْسَ بِإِيلَاءٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَلِفُهُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ. الرَّابِعُ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ يُظَنُّ ذَلِكَ، كَذُبُولِ بَقْلٍ، وَجَفَافِ ثَوْبٍ، وَمَجِيءِ الْمَطَرِ فِي أَوَانِهِ، وَقُدُومِ الْحَاجِّ فِي زَمَانِهِ. فَهَذَا لَا يَكُونُ مُولِيًا ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ بِتَرْكِ وَطْئِهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت