فهرس الكتاب
لِأَنَّ تَشْبِيهَ جُمْلَتِهَا تَشْبِيهٌ لِمَحَلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا يَتَأَكَّدُ تَحْرِيمُهُ، وَفِيهِ تَحْرِيمٌ لِجُمْلَتِهَا، فَيَكُونُ آكَدُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ شَبَّهَهَا بِمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْأُمِّ، كَالْفَرْجِ، وَالْفَخِذِ، وَنَحْوِهِمَا، فَهُوَ مُظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ النَّظَرُ إلَيْهِ، كَالرَّأْسِ، وَالْوَجْهِ، لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ; لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِعُضْوِ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا، كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِعُضْوِ زَوْجَةٍ لَهُ أُخْرَى.
وَلَنَا أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ، فَكَانَ مُظَاهِرًا، كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِهَا، وَفَارَقَ الزَّوْجَةَ ; فَإِنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا، وَالنَّظَرُ إنْ لَمْ يَحْرُمْ، فَإِنَّ التَّلَذُّذَ يَحْرُمُ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ.
(6175) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: كَشَعْرِ أُمِّي، أَوْ سِنِّهَا، أَوْ ظُفْرِهَا. أَوْ شَبَّهَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ امْرَأَتِهِ بِأُمِّهِ، أَوْ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَعْضَاءِ الْأُمِّ الثَّابِتَةِ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهَا، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: كَزَوْجِ أُمِّي. فَإِنَّ الزَّوْجَ لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ، وَلَا هُوَ مَحَلٌّ لِلِاسْتِمْتَاعِ. وَكَذَلِكَ الرِّيقُ، وَالْعَرَقُ، وَالدَّمْعُ. وَإِنْ قَالَ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِك حَرَامٌ. فَلَيْسَ بِظِهَارٍ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ يَقُولُهُ النَّاسُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي غَيْرِ الظِّهَارِ، وَلَا يُؤَدِّي مَعْنَى الظِّهَارِ، فَلَمْ يَكُنْ ظِهَارًا، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُك.
(6176) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنَا مُظَاهِرٌ، أَوْ عَلَيَّ الظِّهَارُ، أَوْ عَلَيَّ الْحَرَامُ، أَوْ الْحَرَامُ لِي لَازِمٌ. وَلَا نِيَّةَ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ، وَلَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ. وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ، أَوْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ الظِّهَارَ، مِثْلَ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، فَيَقُولَ: عَلَيَّ الْحَرَامُ إنْ كَلَّمْتُك. احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ظِهَارًا ; لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فَصَحَّ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، كَالطَّلَاقِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ الظِّهَارُ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِغَيْرِ الصَّرِيحِ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
(6177) فَصْلٌ: يُكْرَهُ أَنْ يُسَمِّي الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، كَأُمِّهِ، أَوْ أُخْتِهِ، أَوْ بِنْتِهِ ; لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، {أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخَيَّةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُخْتُك هِيَ،. فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْهُ.} وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يُشْبِهُ لَفْظَ الظِّهَارِ. وَلَا تَحْرُمُ بِهَذَا، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الظِّهَارِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ لَهُ: حَرُمَتْ عَلَيْك. وَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ وَلَا نَوَاهُ بِهِ، فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْسَلَ إلَيْهِ جَبَّارٌ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا يَعْنِي عَنْ سَارَةَ فَقَالَ: إنَّهَا أُخْتِي. وَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ ظِهَارًا.
(6178) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْمُظَاهِرَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عِتْقًا أَوْ صَوْمًا ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ