فهرس الكتاب

الصفحة 3115 من 3896

شُهُودٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً أَحَدُهُمَا فَاسِقٌ.

وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . وَهَذَا يُوجِبُ الْجَلْدَ عَلَى كُلِّ رَامٍ لَمْ يَشْهَدْ بِمَا قَالَ أَرْبَعَةٌ ; وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ وَأَصْحَابَهُ حِينَ لَمْ يُكْمِلْ الرَّابِعُ شَهَادَتَهُ، بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ. وَرَوَى صَالِحٌ فِي"مَسَائِلِهِ"بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ، فَشَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ، فَاسْتَكْبَرَ ذَلِكَ عُمَرُ، ثُمَّ جَاءَ شَابٌّ يَخْطِرُ بِيَدَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا عِنْدَك يَا سُلَحَ الْعُقَابِ ؟ وَصَاحَ بِهِ عُمَرُ صَيْحَةً، فَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ كِدْت يُغْشَى عَلَيَّ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْت أَمْرًا قَبِيحًا. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْ الشَّيْطَانَ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَأَمَرَ بِأُولَئِكَ النَّفَرِ فَجُلِدُوا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا شُهِدَ عِنْدَهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ، شَهِدَ ثَلَاثَةٌ، وَبَقِيَ زِيَادٌ، فَقَالَ عُمَرُ أَرَى شَابًّا حَسَنًا، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرُ، رَأَيْت اسْتًا تَنْبُو، وَنَفَسًا يَعْلُو، وَرَأَيْت رِجْلَيْهَا فَوْقَ عُنُقِهِ، كَأَنَّهُمَا أُذُنَا حِمَارٍ، وَلَا أَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. وَأَمَرَ بِالثَّلَاثَةِ فَضُرِبُوا. وَقَوْلُ عُمَرَ: يَا سُلَحَ الْعُقَابِ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُشْبِهُ سُلَحَ الْعُقَابِ، الَّذِي يُحَرِّقُ كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ، وَكَذَلِكَ هَذَا، تُوقَعُ الْعُقُوبَةُ بِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ لَا مَحَالَةَ، إنْ كَمَلَتْ شَهَادَتُهُ حُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ، حُدَّ أَصْحَابُهُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ خَالَفَهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ شَهِدُوا. قُلْنَا: لَمْ يُخَالِفُوا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ، إنَّمَا خَالَفُوهُمْ فِي صِحَّةِ مَا شَهِدُوا بِهِ ; وَلِأَنَّهُ رَامٍ بِالزِّنَا لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْتِ بِأَحَدٍ.

(7186) فَصْلٌ: وَإِنْ كَمَلُوا أَرْبَعَةً غَيْرَ مَرْضِيِّينَ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، كَالْعَبِيدِ وَالْفُسَّاقِ وَالْعُمْيَانِ، فَفِيهِمْ ثَلَاثُ ; رِوَايَاتٍ ; إحْدَاهُنَّ: عَلَيْهِمْ الْحَدُّ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الصَّحِيحُ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَمْ تَكْمُلْ، فَوَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ، كَمَا لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً. وَالثَّانِيَةُ: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَدَخَلُوا فِي عُمُومِ الْآيَةِ ; لِأَنَّ عَدَدَهُمْ قَدْ كَمَلَ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ لِمَعْنًى غَيْرِ تَفْرِيطِهِمْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ مَسْتُورُونَ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمْ وَلَا فِسْقُهُمْ.

الثَّالِثَةُ: إنْ كَانُوا عُمْيَانًا أَوْ بَعْضُهُمْ، جُلِدُوا، وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ فُسَّاقًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ ; لِأَنَّ الْعُمْيَانَ مَعْلُومٌ كَذِبُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِمَا لَمْ يَرَوْهُ يَقِينًا، وَالْآخَرُونَ يَجُوزُ صِدْقُهُمْ، وَقَدْ كَمَلَ عَدَدُهُمْ، فَأَشْبَهُوا مَسْتُورِي الْحَالِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ رَدُّ الشَّهَادَةِ لِمَعْنًى ظَاهِرٍ، كَالْعَمَى، وَالرِّقِّ، وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت