فَفِيهِمْ قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ لِمَعْنًى خَفِيٍّ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ مَا يَخْفَى يَخْفَى عَلَى الشُّهُودِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَفْرِيطًا مِنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا يَظْهَرُ.
وَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ، حَدُّ الْجَمِيعُ ; لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ كَعَدَمِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الْأَوَّلِينَ، وَيُنَبِّهُ عَلَى إيجَابِ الْحَدِّ فِيمَا إذَا كَانُوا عُمْيَانًا أَوْ أَحَدُهُمْ ; لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ يُحْتَمَلُ صِدْقُهُمَا، وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْأَعْمَى كَاذِبٌ يَقِينًا، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ، فَوُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ مَعَهُمْ أَوْلَى.
(7187) فَصْلٌ: وَإِنْ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَعَلَى جَمِيعِهِمْ الْحَدُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِيَةُ: يُحَدُّ الثَّلَاثَةُ دُونَ الرَّاجِعِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ ; لِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ قَبْلَ الْحَدِّ، فَهُوَ كَالتَّائِبِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ ; وَلِأَنَّ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الرُّجُوعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَفِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ زَجْرٌ لَهُ عَنْ الرُّجُوعِ، خَوْفًا مِنْ الْحَدِّ، فَتَفُوتُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ، وَتَتَحَقَّقُ الْمَفْسَدَةُ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ نَفْيَ الْحَدِّ عَنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحَدُّ الرَّاجِعُ دُونَ الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ فِي قَذْفِهِ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنَّمَا سَقَطَ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِرُجُوعِ الرَّاجِعِ، وَمَنْ وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِ، لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، فَلَمْ يُحَدَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ. وَلَنَا أَنَّهُ نَقَصَ الْعَدَدُ بِالرُّجُوعِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ، فَلَزِمَهُمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ، وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنْ الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ. يَبْطُلُ بِمَا إذَا رَجَعُوا كُلُّهُمْ، وَبِالرَّاجِعِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ الْحَدَّ وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ، وَوَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ بِسُقُوطِهِ ; وَلِأَنَّ الْحَدَّ إذَا وَجَبَ عَلَى الرَّاجِعِ مَعَ الْمَصْلَحَةِ فِي رُجُوعِهِ، وَإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ، وَإِحْيَائِهِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ إشْرَافِهِ عَلَى التَّلَفِ، فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى.
(7188) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ، أَوْ شَهِدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فِي بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ صَاحِبَاهُمَا، أَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْيَوْمِ فَالْجَمِيعُ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُمْ كَمَلُوا أَرْبَعَةً.
وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنًا وَاحِدٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ اثْنَانِ وَحْدَهُمَا، فَأَمَّا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَحَكَى قَوْلًا لِأَحْمَدَ. وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ زِنَا وَاحِدٍ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ ; وَلِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْبَيِّنَةُ، يُعْتَبَرُ كَمَالُهَا فِي حَقِّ وَاحِدٍ، فَالْمُوجِبُ لِلْحَدِّ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهُ، وَيَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنَّهُ لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ بَيْضَاءَ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِسَوْدَاءَ، فَهُمْ قَذَفَةٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْهُ، وَهَذَا يَنْقُضُ قَوْلَهُ.
(7189) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةٍ مِنْهُ أُخْرَى، وَكَانَتْ الزَّاوِيَتَانِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ، فَالْقَوْلُ فِيهِمَا كَالْقَوْلِ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتَا مُتَقَارِبَتَيْنِ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَحُدَّ الْمَشْهُودُ