فهرس الكتاب

الصفحة 3117 من 3896

عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَمْ تَكْمُلْ ; وَلِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبَيْتَيْنِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ، سَوَاءٌ تَقَارَبَتْ الزَّاوِيَتَانِ أَوْ تَبَاعَدَتَا.

وَلَنَا أَنَّهُمَا إذَا تَقَارَبَتَا أَمْكَنَ صِدْقُ الشُّهُودِ، بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ فِي إحْدَاهُمَا، وَتَمَامُهُ فِي الْأُخْرَى، أَوْ يَنْسُبُهُ كُلُّ اثْنَيْنِ إلَى إحْدَى الزَّاوِيَتَيْنِ لِقُرْبِهِ مِنْهَا، فَيَجِبُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ، كَمَا لَوْ اتَّفَقُوا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتَا مُتَبَاعِدَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ فِعْلًا وَاحِدًا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ فِعْلَيْنِ، فَلِمَ أَوْجَدْتُمْ الْحَدَّ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ؟ قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا بِشُبْهَةٍ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ هَذَا يُحْتَمَلُ فِيهِ وَالْحَدُّ وَاجِبٌ. وَالْقَوْلُ فِي الزَّمَانِ كَالْقَوْلِ فِي هَذَا، وَإِنَّهُ مَتَى كَانَ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ مُتَبَاعِدٌ، لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فِي جَمِيعِهِ، كَطَرَفَيْ النَّهَارِ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ، وَمَتَى تَقَارَبَا كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.

(7190) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَحْمَرَ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي ثَوْبِ كَتَّانٍ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي ثَوْبِ خَزٍّ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَكْمُلُ ; لِتَنَافِي الشَّهَادَتَيْنِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ، فَذَكَرَ كُلُّ اثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَتَرَكَا ذِكْرَ الْآخَرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَبْيَضُ وَعَلَيْهَا قَمِيصٌ أَحْمَرُ، وَإِذَا أَمْكَنَ التَّصْدِيقُ، لَمْ يَجُزْ التَّكْذِيبُ.

(7191) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا إجْمَاعًا ; فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى فِعْلٍ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ. وَفِي الرَّجُلِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ فِعْلَ الْمُطَاوِعَةِ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكْرَهَةِ، وَلَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ ; وَلِأَنَّ كُلَّ شَاهِدَيْنِ مِنْهُمَا يُكَذِّبَانِ الْآخَرَيْنِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، أَوْ يَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَذِّبًا لِلْآخَرِ، إلَّا بِتَقْدِيرِ فِعْلَيْنِ تَكُونُ مُطَاوِعَةً فِي أَحَدِهِمَا، مُكْرَهَةً فِي الْآخَرِ، وَهَذَا يَمْنَعُ كَوْنَ الشَّهَادَةِ كَامِلَةً عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ ; وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْمُطَاوِعَةِ قَاذِفَانِ لَهَا، وَلَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى غَيْرِهَا.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَوَجْهٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كَمَلَتْ عَلَى وُجُودِ الزِّنَا مِنْهُ، وَاخْتِلَافُهُمَا إنَّمَا هُوَ فِعْلُهَا، لَا فِعْلُهُ، فَلَا يَمْنَعُ كَمَالَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ. وَفِي الشُّهُودِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى الرَّجُلِ بِشَهَادَتِهِمْ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِمْ الْحَدُّ ; لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزِّنَا وَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ، فَلَزِمَهُمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُهُمْ. وَالثَّالِثُ: يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى شَاهِدَيْ الْمُطَاوِعَةِ ; لِأَنَّهُمَا قَذَفَا الْمَرْأَةَ بِالزِّنَا وَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِكْرَاهِ ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقْذِفَا الْمَرْأَةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت