ومن قائل: الشفع هو الخلق, والوتر هو الله سبحانه وتعالى, وهذا القول وجيه وجيه, وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم ـ والحديث في الصحيحين ـ: (( إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة, والله وتر ويحب الوتر ) )وفي رواية: (( إن الله وترًا يحب الوتر, فأوتروا يا أهل القرآن ) )وهذا وجيه وذلك أن كل المخلوقات شفع, والله سبحانه وتعالى وتر حتى الحصاة التي ظنها البعض أنها وتر فهي في الحقيقة شفع, فعرفنا في زماننا أن كل شيء يتكون من جزئيات, وأن الجزئيات تتكون من ذرات, حتى الماء الذي ظنناه شيئًا واحدًا متكتلًا يتكون من جزيئين فما وصل إلى درجة الغليان تجزأ إلى اثنين, وإذا كان في درجة مؤتلفة من الحرارة بقى على ما هو عليه.
وصدق عز وجل حين قال: (( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) ), والله سبحانه وتعالى خلق من كل شيء زوجين اثنين ليبقى سبحانه وتعالى واحدًا وترًا.
(( والشفع والوتر والليل إذا يسر ) )يقسم الله سبحانه وتعالى بالليل إذا سرى وقيل: الليل لا يسري ولكنه يُسرى فيه, فنسب الفعل إلى الليل, وهذا من البلاغة القرآنية, (( والليل إذا يسر ) )وقال بعضهم هو ليل جُمَعٍ, أي هو ليل المزدلفة, وثبت عن بعض الصحابة أنه كان يقول أسر يا ساري فلا تبيتن إلا بجُمَع, أي فلا تبيتن إلا في المزدلفة, وعلى كلٍ فالليل من نعم الله سبحانه وتعالى, والله خلق الليل ليكون لنا لباسًا, وهذا منه سبحانه نعمة.
(( والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر ) ), أي هل فيما مضى من القسم عدة لذي لب وعقل وسمى العقل حجرًا؛ لأنه يمنع الإنسان مما لا يليق به من الأقوال والأفعال, ومن ذلك قالوا: حجر الحاكم عليه إذا منعه من التصرف بماله, قال سبحانه وتعالى: (( هل في ذلك قسم لذي حجر ) ).