وقوله - تعالى:"والملك على أرجائها"يعني: إذا انشقت السماء قامت الملائكة على حافاتها، يردّون الشارد، ويدفعون الهارب، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية من الملائكة، وقد حدّث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عظمة خلقهم فقال:"أُذِن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام". {صحيح. رواه أبو داود: 4701، 36-13} . وقوله - تعالى:"يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية"أي: تعرضون على الملك الكبير المتعال، كما قال - تعالى:"وعرضوا على ربك صفا" {الكهف: 48} ،"لا تخفى منكم خافية"، فالكل مكشوفٌ، مكشوفُ الجسد، وتسقط جميع الأستار التي كانت تحجبُ الأسرار، وتتعرّى النفوس وتُعَرَّى الأجساد، وتبرز الغيوب بروز الشهود، ويتجرد الإنسان من حَيْطته ومن مكره ومن تدبيره ومن شعوره، ويفتضح منه ما كان حريصًا أن يستره حتى عن نفسه، وما أقسى الفضيحة على الملأ وما أخزاها على عيون الجموع! أما عين الله فكلّ خافية مكشوفةٌ لها في كلّ آن، ولكن لعل الإنسان لا يشعر بهذا حقّ الشعور، وهو مخدوع بستور الأرض، فها هو ذا يشعر به كاملًا وهو مجرد في يوم القيامة، وكل شيء بارز في الكون كله، الأرض مدكوكةٌ مسوّاة لا تحجب شيئًا وراء نتوءٍ ولا بروز، والسماء متشققة واهية لا تحجب وراءها شيئًا، والأجسام معرّاة لا يسترها شيء، والنفوس كذلك مكشوفة ليس من دونها ستر، وليس فيها سر.
فاللهم استرنا بسترك"يوم تبلى السرائر" {الطارق: 9} ، فإذا عُرِض العبادُ على الله - سبحانه - كانوا فريقين:"فريق في الجنة وفريق في السعير" {الشورى: 7} ،
وصلى الله على نبي الهدى والرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.