تعال إذًا ـ يا عبد الله ـ ولج، فبابُه مفتوح على مصرعيه، هيا ادخل على رب كريم غير غضان، إياك إياك أن تقع في شراكِ عدوك إبليسَ اللعين، احذر أن يقنطَك من رحمة الله، فمولاك يقول لك: (( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) )، لا تيأس فاليأس كفر، (( إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ) )يوسف:87، وكيف تعالج الذنب الصغير بذنب أكبر؟! إن ربك لا يبالي بعظمِ ذنبك ما دام أنك رجعت إليه تائبًا ومنيبًا، أما سمعت ما قال على لسان رسوله في الحديث القدسي: (( يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبُك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بِقُراب الأرض ـ بما يقارب مِلأها ـ خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة ) ).
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد:
أيه المسلمون:ودّ عدونا لو يظفر بتيئيسنا من رحمة الله، كما يقول الحسن البصري رحمه الله لمّا قيل له: ألا يستحي أحدنا من ربه، يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟! فقال:"ودَّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تَمَلّوا من الاستغفار"، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: (من آيس ـ عبادَ الله ـ من التوبةِ بعد هذا فقد جحد كتاب الله عز وجل) .
ثم لاحظ ـ يا عبد الله ـ المؤكداتِ التي جاءت بعد النهي عن القنوط من رحمة الله فقال: (( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) )، وهذا يَعُمُّ جميعَ الذنوب، ومع ذلك لم يكتف بذلك الإطلاق بل أكده بقوله: (جَمِيعًا) ، ثم ختم الآية بإظهار صفتين من صفات الله ذي اللّطف والرحمة، فقال: (( إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ).