ولقد كان خوف السلف الصالح من آفات اللسان عظيمًا، فهذا أبو بكر كان يخرج لسانه ويقول: (هذا الذي أوردني شر الموارد) ، وكان ابن عباس يأخذ بلسانه ويقول: (ويحك، قل خيرا تغنم، أو اسكت عن سوء تسلم، وإلا فإنك ستندم) ، فقيل له: يا ابن عباس، لم تقول هذا؟ قال: (إنه بلغني أن الإنسان ليس على شيء من جسده أشد حَنَقًا أو غيظًا منه على لسانه إلا من قال به خيرًا أو أملى به خيرًا) ، وكان ابن مسعود يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان، وقال الحسن:"اللسان أمير البدن، فإذا جنى على الأعضاء شيئا جنت، وإذا عفّ عفت"، وقال عمر: (من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به) ، وكان طاووس رحمه الله يعتذر من طول السكوت ويقول:"إني جربت لساني فوجدته لئيما وضيعا"، وقال أحد السلف:"إن ترك فضول الكلام والطعن في الناس أشق على النفس من قيام الليل"، وقال الفضيل بن عياض رحمه الله:"كان بعض أصحابنا يحفظ كلامه من الجمعة إلى الجمعة".
أيها المؤمنون، حفظ المرء للسانه وقلّة كلامه عنوان أدبه وزكاء نفسه ورجحان عقله، كما قيل في مأثور الحكم:"إذا تم العقل نقص الكلام"، وقال بعض الحكماء:"كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله، فاقصره على الجميل، واقتصر منه على القليل".
إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى ... وحظك موفورٌ وعرضك صيّن
لسانك لا تذكر به عورة امرئٍ ... فكلّك عوراتٌ وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايبا ... يومًا فقل يا عين للناس أعين
فصاحب بمعروفٍ وسامح من اعتدى ... وفارق ولكن بالتي هي أحسن
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.