وقوله: (والذي قدر فهدى ) [سورة الأعلى:3] . أي خلق كل شيء بمقادير مضبوطة ولحكم محكمة، فقدر سبحانه تقديرًا تتبعه جميع المقدرات، وهدى إلى ذلك جميع المخلوقات، وتلك هداية عامة مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته، وتذكر العباد بجلائل نعمه، وعموم فضله، وواسع رحمته.
ومن ذلك أنه: (والذي أخرج المرعى ) [سورة الأعلى:4] . أي بما أنزل من السماء ماءً رزقًا لسائر الأحياء، فأنبت به أصناف النباتات، وأخرج به من كل الثمرات، فرتع فيه الناس والبهائم وجميع الحيوانات، فكان ذلك من سابغ أن استكمل ما قدر له من الشباب النمو والاستواء يسر له من الأسباب ما ألوى نباته ووضح عشبه: (فجعله غثاءً أحوى ) [سورة الأعلى:5] .أي قد اسود فأصبح هشيمًا تذروه الرياح؛ وكان الله على كل شيء مقتدرًا، وهكذا دنيا الناس عمرها معهم وعمرهم فيها عمر هذا النبات ،فما تكاد تجتمع وتحلو فيها المتعة إلا وقد صارت إلى شتات، وكم في ذلك من بليغ العبر والعظات.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.